الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣١٤ - الحكم الثاني قاعدة تساقط المتعارضين
مقتضاها طرح الخبرين أم الأخذ بهما أم ما ذا؟
و لتحديد مفاد دليل الحجّية العامّ و بيان القاعدة التي ينتهى إليها عند استقرار التعارض بين الدليلين بلحاظه، نستعرض الاحتمالات التي بوسعها أن تكون مدلولًا لدليل الحجّية العامّ ثمّ بيان الممتنع منها و الممكن ثبوتاً، و في الأخير بيان الاحتمال الصحيح من بين الاحتمالات الممكنة ثبوتاً، و الاحتمالات خمسة:
الاحتمال الأوّل: أن يكون الشارع قد جعل الحجّية لكلّ من الدليلين المتعارضين، بمعنى أنّ آية النبأ مثلًا تشمل الخبرين المتعارضين.
و هذا الاحتمال مستحيل ثبوتاً؛ إذ لا يعقل أن يقول الشارع: «لا تكذب» و «الكذب حلال»، و يجعل كلّ منهما حجّة، و يطالبنا بالتصديق بهما و العمل على طبقهما، فإنّ «لا تكذب» يقتضي حرمة الكذب و تنجّز هذه الحرمة، بينما مقتضى «الكذب حلال» إباحة الكذب و عدم حرمته، و بعبارة ثانية: إنّ كلّاً من الدليلين يكذّب الآخر، و لا يعقل أن يطالبنا الشارع بتصديق الدليلين المتكاذبين.
إن قلت: إنّ دليل الحجّية لا يعيّن لنا الدليل المطابق للواقع من بين الدليلين المتعارضين، و لا يطالبنا بالتصديق و الاقتناع بهما وجداناً، بل يطالبنا بالتصديق بهما عملًا، بمعنى حثّ المكلّف على الجري العملي على طبقهما و جعلهما منجّزين عند إصابة الواقع و معذّرين عند المخالفة.
قلت: إنّ جعل الحجّية للدليل و إن كان كما صوّره المستشكل فإنّ دليل خبر الواحد أو الاستصحاب لا يعيّن الواقع بل يحدّد العمل على طبق مفاد
الدليل عند الشكّ إلّا أنّ التصديق العملي بالدليلين المتكاذبين غير ممكن أيضاً؛ لأنّ معنى حجّية «لا تكذب» هو الجري العملي على أساس أنّ