الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١١٦ - التمييز بين الاستصحاب و الاستصحاب القهقرائي
التمييز بين الاستصحاب و الاستصحاب القهقرائي
يشترك الاستصحاب القهقرائي مع الاستصحاب المتعارف في وجود اليقين و الشكّ أيضاً، و نقطة الفرق بينهما تكمن في أنّ اليقين في الاستصحاب المتعارف متقدّم زماناً على الشكّ، بينما يكون الأمر بالعكس في الاستصحاب القهقرائي.
و مثاله: ما لو نظر الفقيه إلى لفظ «الشبهة» و تيقّن بأنّ معناها في العصر الحالي هو الشكّ نتيجة مراجعة كلمات اللغويّين و الفهم العامّ للكلمة، و لكنّه شكّ في أنّها عند ما تُطلق في روايات المعصومين (عليهم السلام) هل يُراد منها نفس هذا المعنى؟ فهنا قد يقال بأنّ الفقيه بإمكانه أن يرجع باليقين الحالي لمعنى اللفظ إلى الوراء حتّى يصل إلى زمان الشكّ و يثبت أنّ معنى الكلمة في ذلك الزمان هو نفس معناها الحالي، و هذا هو الاستصحاب القهقرائي.
و في حقيقة الأمر أنّ هذا الاستصحاب أصل عقلائيّ يرجع إلى أصالة الثبات في اللغة و غلبة بقاء مفرداتها على معانيها. و تحقيقه أكثر يأتي في محلّه.
إنّ ما يهمّنا في هذا البحث هو الوقوف على نقطة التمييز بين الاستصحاب المتعارف و الاستصحاب القهقرائي و قد ظهر أنّه يتلخّص في موقعيّة اليقين و الشكّ زماناً، فإن تقدَّمَ اليقين على الشكّ فهو مورد جريان الاستصحاب و إن تأخّر عنه زماناً فهو مورد جريان الاستصحاب القهقرائي.
و لا يفوتنا أن نشير إلى أنّ المصنّف (قدس سره) و إن لم يشر إلى القاعدة الثالثة المشابهة للاستصحاب، إلّا أنّا آثرنا إدراجها إكمالًا للبحث كما هو المتعارف عند الأصوليّين و منهم السيّد الشهيد (قدس سره) في بحوثه العليا.
هذا كلّه في بيان التمييز بين الاستصحاب و ما شابهه من قواعد بلحاظ الأمر الأوّل، و هو التمييز من خلال الأركان المقوّمة للقواعد.