الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٦٤ - تقديم الأصل السببي على المسبّبي
بالماء المستصحب الطهارة لاحقاً، لأنّ المكلّف حسب الفرض لا يعلم بطهارة الماء حقّاً و واقعاً، فإنّ الاستصحاب كما هو واضح يثبت بقاء الطهارة تعبّداً و لا يرفع الشكّ الوجداني من نفس المكلّف، و من ثمّ فالثوب متيقّن النجاسة سابقاً و مشكوك في ارتفاعها لاحقاً فيستصحب بقاؤه على النجاسة.
ففي هذا المثال نجد أنّ الاستصحاب السببي يثبت طهارة الثوب نتيجة إحراز موضوعه و هو طهارة الماء، بينما نلاحظ أنّ الاستصحاب المسبّبي يثبت نجاسة الثوب، و نتيجة الأصلين متعارضة و غير متلائمة كما لا يخفى.
و قد ذهب علماء الأصول إلى تقديم الأصل السببي على المسبّبي و من ثمّ يحكم بطهارة الثوب المغسول بالماء المستصحب الطهارة، و قد أسّسوا في ذلك قاعدة مفادها: «كلّما كان أحد الأصلين يعالج مورد الأصل الآخر دون العكس قدّم الأصل الأوّل على الثاني»، و اصطلحوا على مثل هذا التقديم بالحكومة.
و توضيحها باختصار لأنّها تُبحث مفصّلًا في باب التعارض عادةً: إذا ورد من الشارع دليلان أحدهما يقول: «الربا حرام»، و الآخر يقول: «لا ربا بين الوالد و ولده»، فإنّنا إذا دقّقنا في الثاني وجدناه ناظراً و معالجاً للدليل الأوّل، إذ إنّ الأوّل كان يفترض حرمة الربا بشكل مطلق و موسّع،
و قد تضيّقت دائرة الحرمة عند مجيء الدليل الثاني، لأنّه قد افترض أنّ الربا بين الوالد و ولده ليس بحرام. و بعبارة ثانية: إنّ الشارع بالدليل الثاني قد خصّص حرمة الربا في الدليل الأوّل و ضيّق دائرتها و لكن بلسان التصرّف في الموضوع، فإنّه قد ضيّق من دائرة سعة صدقه. فقبل مجيء الدليل الثاني كان «الربا» يصدق على كلّ زيادة بشروطها المعروفة، و لكن بمجيئه أخرج الزيادة بين الوالد و ولده عن الربا، و من ثمّ لا يكون حراماً، و هذا هو الفرق