الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٦٢ - الاستصحاب في حالات الشكّ السببي و المسبّبي
و من خلال هاتين النقطتين يمكننا أن نتوصّل إلى النتيجة التالية: إنّ استصحاب الموضوع يحرز لنا الحكم بينما لا يحرز لنا استصحابُ الحكم الموضوعَ؛ باعتبار أنّ الحكم كما أشرنا بمثابة المسبّب و المعلول للموضوع، و المعلول لا يحرز علّته و إلّا لكان علّة له، و هو خلف كونه معلولًا، كما أنّ معلوليّته تعني تأخّره عن الموضوع رتبةً، و المتأخّر لا يثبت ما هو متقدّم و سبب له، لأنّ إثباته له يعني تقدّمه عليه و المفروض أنّه أي الحكم متأخّر عنه، و الشيء الواحد لا يكون متأخّراً عن شيء آخر و متقدّماً عليه.
و لو أردنا تطبيق هذه الفكرة على المثال المتقدِّم، نقول: إنّ جواز شرب الماء متوقّف على طهارته، فيكون استصحاب الطهارة منشأً لثبوت الحكم بجواز الشرب، بينما لا يكون استصحاب جواز الشرب منشأً للحكم بطهارة الماء؛ لأنّها ليست أثراً شرعيّاً و لا مسبّباً عنه، و نهي الشارع عن نقض الحالة السابقة بالشكّ و أمره بالجري العملي على طبقها يعني تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن، و العرف يرى أنّ مثل هذا التنزيل يكون بلحاظ الآثار الشرعيّة، فما كان مترتّباً شرعاً على الحالة السابقة قبل الشكّ يثبت لها بعد الشكّ بحكم التنزيل المذكور، و من الواضح أنّ جواز شرب الماء هو الأثر الشرعي المترتّب على بقاء طهارة الماء دون العكس.
و قد أطلق الأصوليّون على مثل استصحاب طهارة الماء بالاستصحاب السببي، و على مثل استصحاب جواز الشرب بالاستصحاب المسبّبي. و وجه التسمية قد اتّضح ممّا قدّمناه؛ فإنّ استصحاب طهارة الماء يعالج مشكلة موضوع شرب الماء و نتيجته الحكم بطهارته، و الطهارة سبب شرعيّ لجواز الشرب، بينما جواز الشرب مسبّب عن طهارة الماء شرعاً؛ و لذا أُطلق على استصحاب بقائه بالمسبّبي.