الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٧٨ - التعارض بين الدليل العقلي القطعي و الشرعي
و الكلام نفسه يأتي في تقديم الدليل العقلي القطعي على الدليل الشرعي القطعي على فرض وقوع هذا النحو من التعارض [١]، فإنّ معارضة الدليل القطعي له تعني القطع بخطئه؛ إذ إنّ الشارع لا يعقل أن يخالف
مدركات العقل القطعيّة، كيف و قد ورد من النصوص الشرعيّة الشيء الكثير في الحثّ على الأخذ بالعقل، و بعد أمره بذلك لا يمكن أن يرد منه ما يخالفه. نعم، ما ذكرناه في السبب الأوّل لا يأتي هنا؛ لأنّ المفروض أنّ الدليل الشرعي قطعي أيضاً.
فتلخّص: أنّ الدليل العقلي القطعي يقدَّم على الدليل الشرعي مطلقاً، و من ثمّ فلو ورد دليل شرعيّ له ظهور يخالف قاعدة عقلية قطعيّة فلا بدّ من توجيه ذلك الظهور، فقد قام الدليل العقلي القطعي مثلًا على أنّ الله تعالى ليس بجسم و لا هو مادّي ليؤيّن بأين و يُرى و أمثال ذلك ممّا هو مرتبط بالمادّيات، فإذا ورد من الشرع ما يوهم ظاهره بذلك كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [٢]، و قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [٣] فينبغي تأويله وفق الدليل القطعي و بما لا يتقاطع معه. هذا مثال لتقديم الدليل العقلي القطعي على الدليل الشرعي الظنّي.
و أمّا مثال تقديمه على الدليل الشرعي القطعي، فكما لو فرض قيام دليل شرعيّ متواتر على شيء و لكنّه كان معارضاً لدليل عقليّ قطعيّ، فإنّ الثاني يُقدّم عليه، و هذا و إن كان العلماء يذكرونه على مستوى البحث إلّا أنّهم يخالفونه في كثير من الأحيان لعدم الجرأة على مخالفة قطعيّ الشريعة
[١] () لا يخفى أنّ هذا الشقّ الثالث من البحث لا فرض له خارجاً و لا وقوع له أصلًا، و ما يمكن أن يذكر له من مثالٍ كما سيأتي بيانه يمكن المناقشة فيه، فلاحظ.
[٢] () الفتح: ١٠.
[٣] () القيامة: ٢٣ ٢٢.