الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٥٣ - حالات اختلال الركن الثالث
الابتلاء، فإنّ البراءة أيضاً تجري في الطرف الآخر بلا معارض، كما إذا علم المكلّف إجمالًا بنجاسة إناءين إمّا الإناء الموجود أمامه و إمّا إناء زيد الموجود في بلد آخر لا يستطيع الوصول إليه عادةً في حياته، فإنّ مثل هذا العلم غير منجّز و يمكنه إجراء أصالة الطهارة و البراءة في هذا الإناء ليحكم بطهارته و جواز الشرب منه.
و سبب إجراء الأصل المؤمّن فيه هو أنّ الطرف الآخر إناء زيد خارج عن محلّ الابتلاء، فهو و إن كان من الناحية النظرية و العقلية واقعاً تحت اختيار المكلّف و ليس عاجزاً عن الوصول إليه عجزاً حقيقيّاً إلّا أنّه لمّا كان في بلد آخر ليس من عادته الوصول إليه في حياته فيكون بحكم العاجز عنه عرفاً، و لا محصّل عقلائيّ و عرفيّ لجريان البراءة في طرفٍ لا فائدة عملية من جريانها فيه، فإنّ الأصل المؤمّن شرّع لأجل المنّة على العباد و التوسعة عليهم و رفع الحرج و الضيق عنهم، و أيّ أثر يترتّب على إجراء الأصل المؤمّن في طرف لا يقع تحت ابتلاء المكلّف عادةً. و إذا كان هذا الطرف محروماً من جريان البراءة فيه للسبب المذكور، فلا مانع من جريانها في الإناء الذي أمامه بلا معارض، فإنّ الترخيص فيه لا يؤدّي إلى المخالفة القطعيّة كما هو واضح.
و سبب سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية و انعدام تأثيره عمليّاً و حكماً بالرغم من وجوده حقيقةً هو اختلال الركن الثالث أيضاً، فإنّ هناك سبباً آخر لعدم جريان البراءة في أحد الطرفين غير التعارض الناشئ من العلم الإجمالي و هو خروجه عن محلّ الابتلاء، فتجري البراءة في الطرف الآخر بلا معارض، و هو معنى ما يقال: «إنّ منجّزية العلم الإجمالي يشترط فيها
دخول كلا طرفيه في محلّ الابتلاء».