الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٩١ - ٣- مقدار ما يثبت بالاستصحاب
و قد لا يكونُ المستصحبُ حكماً و لا موضوعاً لحكم، و لكنّه سببٌ تكوينيّ أو ملازمٌ خارجيّ لشيءٍ آخرَ، و ذلك الشيءُ هو موضوعُ الحكم، كما لو فرضْنا أنّ حياةَ زيدٍ (التي كنّا على يقينٍ منها ثم شككْنا في بقائها) سببٌ على تقديرِ بقائها إلى زمانِ الشكِّ لنباتِ لحيتِه، و كان نباتُ اللحيةِ موضوعاً لحكمٍ شرعيٍّ، ففي مثل ذلك هل يجري استصحابُ حياةِ زيدٍ لإثبات ذلك الحكمِ الشرعيِّ تعبّداً أو لا؟
و المشهورُ بين المحقّقين عدمُ اقتضاءِ دليلِ الاستصحابِ لذلك. و هذا هو الصحيحُ؛ لأنّه إن أُريدَ إثباتُ ذلك الحكم الشرعيِّ باستصحابِ حياةِ زيدٍ مباشرةً بلا تعبّدٍ بنباتِ اللحيةِ فهو غيرُ ممكنٍ، لأنّ ذلكَ الحكمَ موضوعُه نباتُ اللحيةِ لا حياةُ زيدٍ. فما لم يثبتْ بالتنزيل و التعبّدِ نباتُ اللحيةِ لا يترتّبُ الحكمُ.
و إن أُريدَ إثباتُ نباتِ اللحيةِ أوّلًا باستصحابِ الحياةِ، و بالتالي إثباتُ ذلك الحكمِ الشرعيِّ، فهو خلافُ ظاهرِ دليلِ الاستصحابِ؛ لأنّ مفادَه كما عرفْنا تنزيلُ مشكوكِ البقاءِ منزلةَ الباقي، و التنزيلُ دائماً ينصرفُ عرفاً إلى توسعةِ دائرةِ الآثارِ المجعولةِ مِن قِبلِ المنزّلِ لا غيرِها، و نباتُ اللحيةِ أثرٌ للحياة، و لكنّه أثرٌ تكوينيٌّ و ليس بجعلٍ من الشارعِ بما هو شارعٌ، فهو كما لو قالَ الشارعُ: نزّلتُ الفقاعَ منزلةَ الخمر. فكما يترتّبُ على ذلك توسعةُ دائرةِ الحرمةِ لا توسعةُ