الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٣٣ - جريان الأصول المؤمّنة في الأطراف على مستوى الوقوع
الواقعي المعلوم بالإجمال؛ إذ قلنا إنّ الترخيص ظاهريّ لا واقعيّ، إلّا أنّ هناك منافاة من نوع آخر و هي المنافاة العقلائية بين الترخيص المذكور و بين التكليف الواقعي المعلوم إجمالًا، فإنّ سيرة العقلاء قد استقرّت على تقديم الأغراض الإلزامية على الترخيصيّة عند التزاحم.
و في المقام يوجد عندنا غرض إلزاميّ و هو الوجوب المتعلّق بالجامع، و غرض ترخيصيّ متعلّق بالأطراف، فهل يقدّم الإلزام على الترخيص ويحكم بحرمة المخالفة القطعية، أم العكس ويحكم بجوازها؟
لا إشكال في أنّ العقلاء في الأعمّ الأغلب يقدّمون الإلزام على
الترخيص، و مثل هذا التقديم يشكِّل قرينة عقلائية يمكن من خلالها تقييد إطلاق أدلّة البراءة عن الشمول لحالة الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي.
إذاً: المنافاة العقلية بين الترخيص و التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال و إن كانت مفقودة، إلّا أنّ المنافاة العقلائية بينهما موجودة، فتكون بمثابة قرينة لبّية متّصلة لتقييد إطلاق دليل البراءة و عدم إمكان إجرائه في طرفي العلم الإجمالي.
الثاني: إنّ إطلاق دليل البراءة على القول به ينافي بعض أدلّة البراءة مثل قوله تعالى: وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [١]، فإنّها دلّت على أنّ سنّة الله تعالى جارية بعدم تعذيب خلقه ما لم يبيّن لهم، فإنّ الرسول في الآية مثال لمطلق البيان كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك أكثر من مرّة، و المفروض أنّ الجامع في المقام قد تمّ عليه البيان بالعلم الإجمالي، وعليه فهو داخل تحت مفهوم الغاية و يستحقّ المكلّف العذاب و العقاب على مخالفته.
و بعد تماميّة البيان على الجامع كيف يمكن القول بإطلاق أدلّة البراءة
[١] () الإسراء: ١٥.