الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٥ - جريان الأصول المؤمّنة في الأطراف على مستوى الإمكان
و هذا الوجه كسابقه مخدوش أيضاً؛ لأنّ دعوى المنافاة إنّما تكون صحيحة فيما إذا كان الترخيص واقعيّاً كأن يقال للمكلّف: أنت مرخّص في ترك الواجب الواقعي المعلوم إجمالًا، إذ بناءً على ذلك تكون صلاة الظهر متّصفة بالوجوب الواقعي فيما إذا انطبق الجامع المعلوم عليها و بالإباحة
و الترخيص الواقعي أيضاً، و الوجوبُ و الإباحةُ حكمان واقعيّان متضادّان و لا يمكن أن يتّصف بهما شيء واحد في وقت واحد.
إلّا أنّ الترخيص ليس كذلك، بل هو ترخيص ظاهريّ بمعنى أنّه مجعول في كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي في حالة كون المكلّف شاكّاً في الحكم الواقعي في ذلك الطرف، و الترخيص بهذا المعنى أمر ممكن و لا محذور ثبوتيّ فيه، إذ لا منافاة بين كون الشيء واجباً واقعاً و بين ورود الترخيص الشرعي الظاهري في تركه في حالة الشكّ، فإنّ التضادّ المذكور بين الأحكام التكليفيّة إنّما هو فيما لو كانت واقعيّة، و أمّا إذا كان أحدهما واقعيّاً و الآخر ظاهريّاً فلا تضادّ و لا منافاة بينهما، و على هذا الأساس عقد الأصوليّون بحثاً معمّقاً أوضحوا فيه كيفيّة الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهرية.
فتحصّل ممّا قدّمنا: أنّ القول باستحالة الترخيص في المخالفة القطعيّة غير صحيح، و الصحيحُ إمكانه ثبوتاً؛ لبطلان وجهي الاستحالة.
إلّا أنّ ذلك يبقى مجرّد بحث في عالم الإمكان و الثبوت و لا بدّ من طرحه على مائدة البحث مرّةً أخرى بلحاظ عالم الوقوع، فربّ شيء ممكن ثبوتاً إلّا أنّه غير واقع في الخارج، و هو البحث التالي.