الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٨٠ - معنى التعارض
و لأجل توضيح هذا التعريف و تحديد مركز التنافي بين مدلولي الدليلين نقدّم مقدّمتين:
المقدّمة الأولى: ينحلّ الحكم الشرعي إلى جعل و مجعول، و قد ميّزنا فيما سبق بينهما، و قلنا إنّ الجعل ثابت بتشريع المولى و جعله الحكم على المكلّف
بنحو القضيّة الحقيقيّة و لا يتوقّف على شيء آخر، و هو العنصر الثالث من عناصر مقام الثبوت، فإذا أدرك المشرّع وجود الملاك و المصلحة الأكيدة الملزمة في وجوب الحجّ و حصلت عنده إرادة لجعله، يجعل الحكم بوجوب الحجّ، و في هذه المرحلة يلحظ المولى قيود الحجّ كالاستطاعة بنحو الافتراض و التقدير، فيقول: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [١] سواء كان هناك مستطيع أم لا.
بينما يكون المجعول مرتبطاً بتحقّق القيود خارجاً، فإن تحقّقت وجد المجعول و إلّا فلا. فوجوب الحجّ على المكلّف لا يكون فعليّاً إلّا إذا كان مستطيعاً و مخلى السرب و غير ذلك من قيود فعليّة وجوب الحجّ، و بهذا يظهر أنّ الجعل قد يتحقّق و لا يكون المجعول فعليّاً كما لو لم يكن المكلّف مستطيعاً؛ فإنّ وجوب الحجّ في حقّه غير فعليّ، مع أنّ الجعل موجود؛ بدليل أنّه لو عدّد واجبات الإسلام لذكر الحجّ من بينها، و لكن من غير المعقول أن يكون المجعول موجوداً و فعليّاً من دون جعل، فإذا نسخ وجوب الحجّ مثلًا و صار المكلّف مستطيعاً فلا يكون وجوب الحجّ فعليّاً في حقّه، و هذا أمرٌ واضح.
ثمّ إنّه لا يخفى أنّ للحكم مرحلتين: مرحلة الثبوت و مرحلة الإثبات، و يقصد بالأولى مرحلة مبادئ الحكم، و بالثانية مرحلة إبراز الدليل،
[١] () آل عمران: ٩٧.