الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٩٤ - النهي عن النقض
و مثل هذه الأحكام من أوامر و نواهٍ تسمّى بالأحكام التكليفيّة، و يقال للأوّل أمر تكليفيّ و للثاني نهي تكليفيّ.
و أخرى يبيّن من قبل الشارع بلسان يرشد المكلّف إلى جزئية شيء أو شرطيّته أو مانعيّته و نحو ذلك، كما إذا قال: «اغسل ثوبك بالماء»، أو «لا تصلِّ في جلد ما لا يؤكل لحمه»، فإنّ الأمر في الأوّل إرشاد إلى شرطيّة الماء في طهارة الثوب، و النهي في الثاني إرشاد إلى مانعيّة جلد ما لا يؤكل من صحّة الصلاة، و واضح أنّ المكلّف لو أراد مخالفة الأمر و رمى الثوب و لم يطهّره لم يكن قد ارتكب مخالفة شرعيّة فيستحقَّ إثماً على ذلك، بل غاية ما في الأمر أنّه لا يستطيع لبسه أثناء أداء الصلاة مثلًا، و كذلك النهي في الثاني فإنّه يرشده إلى مانعيّة جلد غير المأكول بنحو لو صلّى فيه لكانت صلاته باطلة.
إذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول: قد ورد في صحيحة زرارة النهي عن
نقض اليقين بالشكّ (و لا تنقض اليقين بالشكّ)، و لنا أن نتساءل: هل النهي الوارد فيها نهي تكليفيّ و أنّ المكلّف لو بنى على الشكّ و نقض يقينه السابق يكون قد ارتكب حراماً، أم هو نهي إرشاديّ؟
الجواب: لا شكّ في أنّه نهي إرشاديّ إلى بقاء الحالة السابقة و الجري العملي على طبقها، و لا يحرم عليه شرعاً عند الشكّ في الوضوء المتيقّن سابقاً نقض يقينه السابق و إعادة الوضوء من جديد.
و لا ينبغي أن نغفل أنّ حكم الشارع ببقاء الحالة السابقة و عدم نقضها بالشكّ لا يعنى به بقاء اليقين حقيقةً و وجداناً؛ إذ المفروض أنّ المكلّف شاكّ في بقاء اليقين، و بعد وجود الشكّ لا يعقل أن يكون اليقين موجوداً حقيقة في نفس المكلّف، و لو كان موجوداً لما كان شاكّاً أساساً، و إنّما يقصد بحكم الشارع ببقاء الحالة السابقة بقاؤُها من الناحية العمليّة و تنزيل المتيقّن منزلة