الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٢٤ - مناقشة الدليل الثاني
بسبب حجّية الحالة السابقة في إثبات البقاء تعبّداً كما هو مفاد الاستصحاب ليقال بدلالة السيرة العقلائية على حجّية الاستصحاب، بل لعلّ عملهم ببقاء الحالة السابقة راجع إلى أحد أمرين:
الأوّل: الألفة و العادة، كما ذكرناه سابقاً، إذ إنّ الإنسان إذا ألِف شيئاً و اعتاد عليه غفل عن احتمال ارتفاعه، ففي مثال عودة المرء إلى بيته تكون الألفة و العادة موجبة لغفلته عن احتمال التغيّر و الخراب، لا لأجل حجّية العمل بالحالة السابقة.
الثاني: الاطمئنان بالبقاء، أي أنّ العقلاء إنّما يعملون بالحالة السابقة و يرتّبون الأثر عليها لأجل الاطمئنان الحاصل لديهم ببقاء الحالة السابقة، و من ثمّ تكون السيرة دليلًا على حجّية الاطمئنان لا الاستصحاب الذي يفيد الظنّ بالبقاء تعبّداً.
و مراجعة دقيقة لسيرة العقلاء تؤيّد ما ذكرناه، فإنّ التاجر مثلًا إذا أراد إرسال مال إلى التاجر الآخر الذي كان قد تعامل معه سابقاً، إنّما يقوم بإرساله لأجل اطمئنانه بوجوده، لا لأجل استصحاب الحالة السابقة، فربما لو شكّ في وجوده لموت أو غيره لما أرسل المال إليه، و الذي يفيدنا في سيرة العقلاء لإثبات حجّية الاستصحاب هو قيامها مع وجود الشكّ في البقاء، و الحال أنّ قيامها على ذلك غير معلوم.
فاتّضح أنّ قيام السيرة العقلائية على حجّية الاستصحاب و العمل بالحالة السابقة مطلقاً غير صحيح. نعم، قد يعمل العقلاء بها و لكنّه من باب الألفة و العادة أو الاطمئنان بالبقاء، مع أنّ الذي يفيدنا في المقام هو القول بجريان السيرة على العمل بالحالة السابقة حتّى مع الشكّ في البقاء لكاشفيّتها عن البقاء، و هو ما لم يثبت قيام السيرة عليه.