الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٢٢ - مناقشة الدليل الأوّل
إن قلت: لعلّ قيام السيرة العقلائية على العمل بالظنّ بالبقاء ليس من باب كاشفيّة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء، و إنّما من باب التعبّد، فلا يتمّ الاستشهاد بها على الصغرى.
قلت: إنّ العقلاء عند ما يبنون على شيء يبنون عليه لأجل نكتة كاشفة لا لأجل التعبّد، كما في خبر الثقة فإنّهم يعملون به لأجل كاشفيّته عن الواقع غالباً، و حالهم في المقام كذلك، فإنّهم لا يعملون بالحالة السابقة تعبّداً، بل لأجل كاشفيّتها و إفادتها للظنّ بالبقاء.
هذا، و لكن أصل الاستشهاد بالسيرة على إفادة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء غير صحيح؛ لوجهين:
الأوّل: إنّا لا نسلّم قيام مثل هذه السيرة العقلائية على العمل بالحالة السابقة و إفادتها للظنّ بالبقاء.
الثاني: لو تنزّلنا و قلنا بوجودها، فإنّ النكتة فيها ليست كاشفيّة الحالة السابقة للظنّ بالبقاء، و إنّما هي الألفة و العادة، فإنّ الإنسان إذا ألِفَ شيئاً و اعتاد عليه و صار أكثر التصاقاً به و احتياجاً إليه حدث عنده الظنّ ببقاء الحالة السابقة، بخلاف ما لو لم يألفه و لم يكن معتاداً عليه و محتاجاً إليه.
و بهذا يظهر أنّ الظنّ ببقاء الحالة السابقة عند العقلاء مرتبط قوّةً
و ضعفاً بالأمور المذكورة من الألفة و العادة، لا أنّ عملهم بالحالة السابقة و ترتيب الأثر عليها راجع إلى نكتة كشفها و إفادتها بنفسها للظنّ بالبقاء. و الشاهد عليه وجود مثل هذا الجري عند الحيوان، فإنّه الآخر يرتّب الأثر على الحالة السابقة، حيث إنّه يعود إلى نفس الدار التي خرج منها للرعي بعد إتمام رعيه، و من الواضح أنّ نكتة الكشف لا يعقل تصوّرها في الحيوان، فهو يعمل بالحالة السابقة لأجل أُلفته و عادته الناشئة من الذهاب