تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٢ - فصل مبدأ الخير و الشر
بابرة طبق الأجفان بالاضطرار و لو أراد أن يتركه مفتوحا لا يقدر مع انّ تغميض الأجفان فعل إرادى لأنه مسبوق بشعور و إرادة، و لكنّه إذا تمثّل صورة الإبرة في مشاهدته بالإدراك، حدثت الإرادة للتغميض ضرورة و حدثت الحركة بها، و لو أراد أن يترك، لم يقدر عليه مع انّه فعل بالقدرة و الإرادة فقد التحق هذا بالفعل الطبيعي في كونه ضروريّا.
و أما الثالث و هو المسمّى بالاختياريّ- و يقال له بالقصد- فهو مظنّة الالتباس كالكتبة و المشي. و هو الذي يقال فيه: إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل، و تارة يشاء و تارة لا يشاء.
فيظنّ من هذا إنّ الأمر إليه و مبناه الجهل بمعنى الاختيار فليكشف عنه، و بيانه إنّ الإرادة مع العلم الذي يحكم بأنّ الشيء موافق لك، فإنّ الأشياء تنقسم إلى ما يحكم مشاهدتك الظاهرة أو الباطنة بأنّه يوافقك من غير تردّد و تحيّر و إلى ما يتردّد العقل فيه فالذي يقطع به من غير تردّد كما يقصد عينك بابرة أو بدنك بسيف، فلا يكون في علمك تردّد في أنّ دفع ذلك خير و موافق لك، فلا جرم ينبعث الإرادة بالعلم و القدرة بالإرادة و يحصل حركة الأجفان بالدفع و حركة اليد بدفع السيف و ذلك من غير رويّة و فكر.
و من الأشياء ما يتوقّف التمييز و العقل فيه فلا يدرى إنّه موافق أم لا، فيحتاج إلى رويّة و فكر حتّى يتبيّن إنّ الخير في الفعل أو الترك، فإذا حصل بالفكر انّ أحدهما خير التحق ذلك بالذي يقطع به انّه خير من غير رويّة و فكر و انبعث الإرادة هاهنا كما ينبعث لدفع حوالة السيف و السنان من غير رويّة و فكر.
فإذا انبعثت الإرادة للفعل الذي ظهر للعقل انّه خير، سميّت هذه الإرادة اختيارا مشتقّا من الخير أي هو انبعاث إلى ما ظهر للعقل انّه خير و هو عين تلك الإرادة و لم ينتظر في انبعاثها إلّا إلى ما انتظرت تلك الإرادة و هو ظهور خيريّة الفعل في حقه، إلا إنّ الخيريّة