تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٦ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ١٠
عليه الجنون إلى القيّم ليقيّده بالسلاسل و الأغلال و يكفّ شره عن سائر الناس.
و إنّما صار مرض القلوب أكثر من مرض الأبدان الثلاث علل:
أحدها: إنّ صاحب القلب المريض لا يدرى إنّه مريض.
و ثانيها: إن عاقبته غير مشاهد في هذا العالم، بخلاف مرض البدن فإنّ عاقبته- و هي موت البدن،- مشاهد ينفر الطباع منه، و ما بعد الموت غير مشاهد لقلّة النفرة عن موت القلب الذي هو عاقبة مرضه و إن علمها مرتكب الأمراض القلبيّة و الكبائر الموبقة فلذلك نراه يتّكل على فضل اللّه و يجتهد في علاج البدن.
و ثالثها: و هو الداء العضال و هو إمّا فقد العلماء الذين هم الأطبّاء كما في هذه الأعصار، أو فقد الايمان بما يقول الطبيب كما في عصر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أعصار ورثته عليهم السلام.
فنقول: يحتاج المريض إلى التصديق بأمور:
الأول: إنّ للمرض و الصحّة أسبابا يتوصّل إليها بالاختيار على ما رتّبه مسبّب الأسباب. و هذا هو الايمان بأصل الطبّ فإنّ من لا يؤمن به لا يشتغل بالعلاج فيزداد مرضه إلى أن يلحق عليه الهلاك. و هذا وزانه في مرض القلوب هو الايمان بأصل الشريعة، و هو إن للحياة الاخرويّة و السعادة الدائمة سببا هو الطاعة، و للموت الاخروي و الشقاوة الأبديّة سببا هو المعصية، و هذا و هو الايمان بأصل الشرايع لا بدّ من حصوله إمّا عن تحقيق أو تقليد- و كلاهما من جملة الايمان.
الثاني: إنّه لا بّد أن يعتقد المريض في طبيب معيّن إنّه عالم بالطبّ حاذق فيه صادق فيما يخبر به و يعبّر عنه لا يلبس و لا يكذب. فإنّ إيمانه بأصل الطبّ لا ينفعه بمجرده دون هذا الايمان. و وزانه فيما نحن فيه العلم بصدق الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و الايمان بأنّ كل ما يقوله حقّ و صدق و لا كذب فيه و لا خلف.
الثالث: إنّه لا بدّ أن يصغي إلى الطبيب فيما يحذّره من تناول الفواكه و الأشياء