تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥١ - اشارة فيها انارة ماهية الايمان و انه مجرد العلم و التصديق
و أمّا الأحوال- أعني صفاء القلب و طهارته من شوائب الدنيا و شواغل الخلق- فيعنى بها استحقاقه لحصول نور المعرفة و استعداده لانكشاف حقيقة الحقّ و صورة الحضرة الإلهيّة حتّى إذا تمّت طهارته و صقلت صفحة وجهه واجهته أنوار الكبرياء، و حضرت عنده و انكشفت لديه حقائق الأشياء.
فقد ثبت انّ وجوب الأعمال الصالحة و ترك القبائح، لأجل إصلاح القلب و جلب الأحوال، و تفاوتها في الفضيلة إتيانا و تركا، بقدر تأثيرها في تطهير القلب و تهذيبه و إعداده لأن يحصل له المعرفة الإلهيّة و العلوم الكشفيّة.
و كما انّ تصقيل المرآة يحتاج إلى أعمال تتقدّم على تمام أحوال المرآة في صفائها و صقالتها و تلك الأعمال بعضها أقرب إلى الصقالة التامّة من بعض، فكذلك الأعمال المورثة لأحوال القلب يترتّب في الفضيلة ترتّب الأحوال، فالحالة القريبة أو المقرّبة من صفاء القلب، هي أفضل مما دونها لا محالة بحسب قربها من المقصود الأصلي.
فكلّ عمل إما أن يجلب إلى القلب حالة مانعة من المكاشفة، موجبة لظلمة القلب، جاذبة إلى زخارف الدنيا. و أما أن يجلب إليه حالة مهيّئة للمكاشفة، موجبة لصفاء القلب و قطع علاقته عن الدنيا. و اسم الأول في عرف الشرع المعصية سواء كان فعلا أو تركا، و اسم الثاني الطاعة. فعلا كان أو تركا.
و المعاصي من حيث تأثيرها في ظلمة القلب و قساوته متفاوتة، و كذا الطاعات في تنوير القلب و تصفيته فدرجاتها بحسب درجات تأثيرها. و ذلك يختلف باختلاف الأزمان و الأشخاص، فربما كان قيام الليل لأحد أفضل من إيتاء الصدقات المتبرّعة و ربما كان الأمر بالعكس من ذلك. و ربما كان صوم ستّين يوما أفضل في باب الكفّارة من عتق رقبة كما للسلاطين و الامراء من أهل الدنيا.