تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٩ - فائدة اخرى سر الالتفات من الغيبة الى الخطاب
العدول من الغيبة إلى الخطاب و من الخطاب إلى التكلم و بالعكس و هذا أحسن من الجري على نسق واحد و اللزوم لمسلك متكرر و مع ذلك قد تختصّ مواقع الالتفات بزوائد فوائد من النكات، لا تحصل بدونه و هاهنا من هذا القبيل إذ قد تقرّر في العلوم الإلهيّة ان شدّة الإدراك و تاكّد الصورة العلمية في الوضوح و الإنارة، و قوّة الشوق إلى المدرك و رسوخه يوجبان حضور المعلوم، و لهذا قيل: المعرفة بذر المشاهدة و الرؤية ثمرة اليقين.
فلما ذكر اللّه تعالى و أجريت عليه صفات كمالية و نعوت إلهية من كونه حقيقا بالحمد ربّ العالمين موجدا للكلّ منعما عليهم بالنعم كلّها، جليلها و دقيقها، دنيويّها و اخرويّها، محسوسها و معقولها، مالكا لأمورهم يوم الجزاء و اللقاء، تميّز بها ذاته عن سائر الذوات و تنوّر القلب بأنوار معرفة هذه الصفات و فتحت البصيرة بكشف هذه الآيات و تعلّق العلم بمعلوم معيّن حاضر حضورا إشراقيا فخوطب بالكلام: يا من هو بالحمد حقيق و بهذه الصفات الكمالية يليق نخصّك بالعبادة و الاستعانة ليكون الخطاب أدلّ على هذا الاختصاص و لاستجلاب مزيد قرب بعد قرب في هذا التذلّل و الانكسار و طلب معونة من قربه على قربه لأنّ ذاته غير متناه في شدة الوجود و قوّة البهاء و العظمة لا يمكن الاكتناه بنور وجوده، فكلّما كوشف للسالك كان المستور منه بستر الجلال و سرادق الكبرياء أعظم بما لا نسبة بينهما، إذا المنال و المشهود هناك بقدر قوّة نظر الطالب و نور بصيرته، لا بحسب المطلوب نفسه. و كلما ازداد في القرب ازداد في الاشتياق و يكون أحوج إلى طلب المعونة لزيادة المشاهدة و كسب الإشراق، فكان أول الكلام مبنيّا على ما هو بداية أمر السالك من الأذكار و الأفكار و التأمّل في الأسماء و النظر في الآلاء و النعماء طلبا للاستبصار و تقرّبا إلى مشاهدة نور الأنوار و استدلالا من صنائعه على أسمائه و صفاته و من أسمائه و صفاته على أنوار جماله و أسرار جلاله ثمّ صار مؤدّيا إلى منتهى سيره و غاية سفره إلى الحقّ و هو كونه ممّن يخوض لجّة الوصول و يصير من أهل