تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠١ - فصل في كيفية إنزال الوحي على الأنبياء عليهم السلام
بخلاف ذلك.
و
في الحديث [١]: إنّ الحارث بن هشام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس و هو أشدّ على فيفصم عنّي و قد وعيت عنه ما قال. و أحيانا يمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي بالقول.
و ربما يكون صقالة النفس النبويّة أتم و تجرّدها في بعض الأحايين أقوى و سلطانها على قهر الصوارف الجسدانيّة و الشواغل الهيولانيّة أعظم، فيكون عند الانصراف عن عالم الحسّ و الاتّصال بروح القدس استيناسها بجوهر ذاته المجرّدة، أشدّ منه بالشبح المتمثّل، فتشاهد ببصر ذاتها العاقلة الصائرة عقلا بالفعل معلّمها القدسي و مخرجها من حدّ القوّة النفسانيّة الهيولانية إلى حدّ الكمال العلمي و العقل الصوري و تستفيد منه و هو في صورته القدسيّة، العلوم و الأحوال كما قال تعالى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى [٥٣/ ٥].
و ربما وصل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى مقام أعلى من أن يتوسّط بينه و بين المبدأ الأول و المفيض على الكلّ واسطة، فسمع كلام اللّه بلا واسطة كما قال تعالى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [٥٣/ ٨].
و قد ذكر انّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّما رأى جبرئيل عليه السلام بصورته الحقيقيّة مرّتين [٢]. و كان بحيث طبّق الخافقين. و إلى مثل هذه الرؤية له عليه السلام أشار تعالى بقوله:
وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [٥٣/ ١٢].
ثمّ دون هذا الضرب بسائر درجاته مما يتّفق لمن له من القوّة القدسيّة نصيب أن يرى ملائكة اللّه و يسمع كلام اللّه و لكن في النوم لا في اليقظة. و سبيل القول أيضا انّ الأمر
[١] البخاري: ١/ ٣ و فيه فروق يسيرة.
[٢] راجع دلائل النبوة للبيهقي: ٢/ ١١٧.