تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٢٠ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ١٣
تعالى من قوله: وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى [٢٨/ ٦٠] وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى [٨٧/ ١٧] وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [٣/ ١٨٥] و نحو ذلك.
و أما المعرفة بالبرهان، فهو أن يعرف وجه فساد قياسهم الذي يظنّه الشيطان و فيه أصلان: الأول صحيح و الآخر و هو قوله: النقد خير من النسية، محل التلبيس، إذ لو كان النقد مثل النسية في القدر و الشرف و المنزلة فهو خير و إلّا فلا. و عند هذا يفزع الشيطان إلى القياس الآخر و هو أكثر فسادا من الأول. لأن كلا أصليه باطل، إذ اليقين خير من الشكّ إذا كان مثله في المقصود و إلّا فلا، فإنّ التاجر في تعبه و مشقّته على يقين، و في ربحه على شكّ، و المتفقّه في اجتهاده و تعبه على يقين، و في إدراكه رتبة العلم على شكّ، و كذا سائر النظائر في هذا الباب.
فكذلك من شكّ في الآخرة، ينبغي له بحكم الجزم أن يقول «الصبر أياما قلائل قريب بالاضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة، فما قيل فيه إن كان كذبا فلا يفوتني إلّا التنعّم اليسير في أيّام حياتى، و إن كان صدقا فابقي في النار أبد الآباد و هذا لا يطابق» و لذلك
قال أمير المؤمنين عليه السلام لبعض الملحدين: «إن كان ما قلته حقّا فقد تخلّصت و تخلّصنا و إن كان ما قلنا حقّا، فقد تخلّصنا و هلكت».
و ما
قال عليه السلام هذا عن شكّ منه في أمر الآخرة، و لكن كلّم الملحد على قدر عقله، فبيّن إنّه مغرور سفيه.
و أمّا الأصل الثاني و هو إنّ الآخرة شكّ فهو أيضا خطأ، بل ذلك يقين عند العارفين و المؤمنين و ليقينه مدركان:
أحدهما الايمان و التصديق تقليدا للأنبياء و الأولياء و ذلك أيضا يزيل السفه و الغرور و أكثر أهل الدين اطمأنّوا به كما يطمئنّ نفس المريض إلى تصديق قول الأطبّاء الحذّاق في الدواء، و لو اعتمد أحد قوله و ترك قول الأطبّاء، كان سفيها معتوها، و هذا القدر من الايمان كاف لجملة الناس، لأنّه اعتقاد جازم يستحثّ على العمل، و إليه الإشارة