تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٩ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ٧
الإدراكات فيك لا يكفيك مشاهدة الطعام، بل تفتقر إلى شهوة الأكل و الميل إليه تستحثّك على الحركة و الطلب. فخلق اللّه فيك شهوة الطعام و سلّطها عليك كالمتقاضي. ثمّ هذه الشهوة لو لم تسكن إذا أخذت مقدار الحاجة منك أهلكت نفسك. فخلق فيك الكراهة عند الشبع. ثمّ خلق فيك شهوة المجامعة لبقاء نوعك و دوام نسلك. و في خلق أسباب التوليد من الأنثيين و الرحم و دم الحيض و المني و المجاري و العروق و الأوعية و كيفيّة توليد النطفة و تشكّلها و كيفية إدارتها في أطوار الخلقة إلى تمام الأعضاء، من العجائب ما لا يحصى.
ثمّ الشهوة و الغضب لا يدعوان الا إلى ما ينفع و يضرّ في الحال و هما لا يكفيانك، فميّزك اللّه من الحيوانات بقوّة اخرى هي الإرادة العقليّة إكراما لك و إفرادا عن البهائم كما أفردك بمعرفة العواقب.
ثمّ هذه القوى لا تكفيك فكم من زمن مدرك مشتاق إلى شيء بعيد منه لا يقدر على المشي إليه. فخلق لك قدرة على المشي و الطلب لمشتهياتك، و آلات معينة عليهما و على الدفع و الهرب لما يمنعك و عما يضادّك، و تلك الآلات بعضها طبيعيّة كالأعضاء و بعضها خارجيّة كالاسلحة و المراكب و الدوابّ و الفنّ و آلات الزرع و مباديها و أسبابها و فواعلها من الصنّاع و المصلحين و غير ذلك.
و في كل ذلك من نعم اللّه و حكمته ما لا يعدّ و لا يحصى فلتعتبر رغيفا واحدا و لتنظر ما تحتاج إليه حتّى يصلح للأكل من بعد إلقاء البذر إلى الأرض.
فانظر إلى أعمال الصنّاع في إصلاح آلات الحراثة و الطحن و الخبز من نجّار و حداد و غيره و انظر إلى حاجة الحدّاد إلى الحديد و الرصاص و النحاس و انظر كيف خلق اللّه الجبال و الأحجار و المعادن فإن فتّشت علمت انّ رغيفا واحدا لا يستدير ما لم يعمل عليها أكثر من ألف صانع ابتداءها من الملك الذي يزجي السحاب لينزل الماء إلى آخر الأعمال من جهة الملائكة، حتّى تنتهي النوبة إلى الإنسان، فإذا استدير