تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٣ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ٧
نعمة من النعم الواقعة في الرتبة المتاخّرة و لو أردنا أن نستقصى الأسباب التي بها تمّت هذه النعمة لم نقدر عليها لأنّ الأكل مثلا أحد أسباب الصحّة و هو متوقّف على أسباب غير محصورة بها يتمّ نعمة الأكل إذ لا يخفى انّ الأكل فعل و كل فعل من هذا العالم حركة إرادية و كل حركة إرادية لا بدّ لها من جسم متحرّك هو آلتها و لا بدّ لها من قدرة على الحركة و لا بدّ لها من إرادة و الإرادة متوقّفة على العلم بالمراد و العلم صورة نفسانيّة و نقش باطنيّ لا بدّ لها من قابل و منقوش به و هو لوح النفس و من فاعل ناقش و هو ملك روحاني مستفيد من ملك فوقه و هكذا إلى مالك الملكوت.
ثمّ لا بدّ للأكل من مأكول و هو جسم مركب من اصول متخالفة الطبائع و الأمكنة و الأحوال و لا بدّ لها من أسباب يجمعها و يجبرها على الالتيام و يحفظها على مزاج يتهيّأ صورة التمام و لا بدّ لتلك الأصول من أمكنة يتكوّن فيها و جهات يتوجّه إليها عند خروجها و أزمنة يتحرّك فيها و لا بدّ للأمكنة و الأزمنة الموجودة للأجسام المستقيمة الحركة من محدّد مطيف بها يتعيّن به جهات أمكنتها و حدود أزمنتها فيكون المحدد من جنس جملة الأجرام الاكريّة الدائمة الحركة إلى أن يشاء اللّه.
و لا بدّ لها من أسباب محرّكة على سبيل المباشرة و المزاولة و لأسبابها أسباب اخرى محرّكة على سبيل التشويق و الامداد و العناية إذ ليست حركتها شهويّة أو غضبيّة ليكون حيوانيّة محضة و لا مجازفة أو وهميّة محضة طلبا لثناء أو حسن ذكر أو صيت أو نفعا للسافل بل حركة شوقيّة علويّة و خدمة إلهيّة و طاعة ربّانية فلها ملائكة يديرها و فوقها ملائكة اخرى يدبّرها و يشوّقها طلبا لبارى، الكلّ و تشوّقا إليه و طاعة له على وجه يلزمها رشح الخير الدائم على الأدانى و الأسافل.
ثمّ لا بدّ للمأكول من صانع يصلحه، و لا بدّ من أسباب لإصلاحها، من أرض ينبت فيها و هواء يصلح لها و حرارة تنضجها و ماء يسقيها، و الماء لا يتحرّك بنفسه من مكانه كالبحر فلا بدّ لحركته من أسباب بعضها طبيعيّة عنصريّة و بعضها نفسانيّة فلكيّة و بعضها