تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٧ - فصل و على سمعهم و على أبصارهم ص
الختم الذي يمنع من جميع الجهات و إدراك الأبصار لما اختصّ بجهة المقابل جعل المانع عن فعلها الغشاوة المختصّة بتلك الجهة.
و الفائدة في تكرير الجار في قوله: و على سمعهم، لاستقلال كلّ منهما بالحكم و لأنّها لما أعيد في السمع كان أدلّ على شدّة الختم في الموضعين، و إنّما وحّد السمع للأمن عن اللبس كما يقال: أتاني برأس كبشين و كقوله عليه السّلام [١]: «كلوا في بعض بطنكم» و لأنّ السمع مصدر في أصله و المصادر لا تجمع فروعي الأصل، دلّ عليه جمع الاذن في قوله: وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ [٤١/ ٥].
و وجه ثالث و هو تقدير مضاف محذوف، أي و على حواسّ سمعهم، و وجه رابع إنّه محفوف بين الجمعين فيراد به الجمع أيضا كما قال تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [٢/ ٢٥٧] عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ و قرء ابن أبي عبله: و على أسماعهم.
و الأبصار جمع بصر و هو إدراك العين و قد يطلق على القوّة الباصرة و على العضو كما يطلق العقل و هو إدراك الكلّيات على القوّة الناطقة و على الشخص المحسوس، و هذا ليس من باب المجاز كما زعموه بل لعلاقة اتّحادية بين الفعل و الفاعل و القوّة و ذي القوة، كما بين العقل و العاقل و النفس و البدن كما ذهب إليه بعض أعاظم الفلاسفة المسمّى «بفرفوريوس» و دلّ عليه كلام استاذه معلم الفلسفة القديمة «أرسطاطاليس» في كتابه الموسوم بمعرفة الربوبيّة.
و كذا الكلام في السمع حيث يطلق على الإدراك و قوّته و مادّته، و اختلف الناس في كون أيّهما أفضل، فقيل: السمع، لأنّ اللّه حيث ذكرهما قدّمه على البصر و التقديم علامة التفضيل، و لأنّه شرط النبوّة بخلاف البصر، و لهذا ما بعث نبيّ أصم. و قد كان فيهم مبتلى بالعمى، و لما مرّ من كونه متصرّفا في الجهات دون البصر و لأنّه متى بطل، بطل النطق، و العين إذا بطلت لم يبطل النطق، و لأنّ بالسمع تصل نتائج العقول بعضها إلى
[١] في الدرامى (٢/ ٤٠٢): حدثنا الحسن، قال: المؤمن لا يأكل في كل بطنه ...