تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٢ - بصيرة اخرى الإشارة إلى السفر الثالث من الأسفار الأربعة
القول لا يصدر على وجه الصدق إلّا عن أولئك الكاملين العارفين بهذا التوحيد الأفعالي فهو لهم خاصّة دون غيرهم، فكم بين الحالين من التبرّي و الدعوى فالمدعي مطالب بالبرهان على دعواه، و المتبري غير مطالب بذلك. و لا تقل: إنّ التبري أيضا دعوى، فإنّ التبري لا يبقي شيئا ٧٣ و على ذلك ينطلق اسم المتبري- انتهى كلامه.
و بالجملة فالمراد من قوله: إيّاك نستعين، طلب الهداية لأقرب المناهج و أقوم الطرق إلى اللّه و فيه كما وقع الإفصاح عنه بعد هذه الآية بما يتلوها.
بصيرة اخرى [الإشارة إلى السفر الثالث من الأسفار الأربعة]
الضميران المستكنّان في هذين الفعلين إما للنبي صلّى اللّه عليه و آله و أمته أو للإمام و حاضري صلاة الجماعة معه أو للقاري و من معه من الحفظة أوله و لسائر الموحدين.
أدرج عبادته في تضاعيف عباداتهم و خلط حاجته بحاجاتهم لعلها تقبل ببركاتها و تجاب إليها، كادراج البائع غير الرائج في جملة الرائج في بيع الصفقة، و من هاهنا يعلم سرّ شرعية الجماعات.
و لتقديم ضمير المعبود و المستعان به وجوه اخرى غير ما ذكر، كالتعظيم و تقديم ما هو مقدم في الوجود، و للاشارة إلى أن نظر العابد و التفاته ينبغي أن يكون مقصورا على ذات المعبود أولا و بالذات ثم إلى العبادة لأنها وسيلة و وصلة بينه و بين الحق، فمن كان غرضه من المعرفة و العبادة نفسه أو نفس شيء منهما فهو ليس من الموحدين و لا من العابدين لأنه يعبد غير اللّه و هذه حال المتبجح بزينة ذاته و إن كان بمعرفة الحق، و أما من عبد اللّه و غاب عن ذاته و عن عبادته فهو مستغرق ٧٤ في العبودية للّه بما هي عبودية له و انتساب إليه نسبة الفقر و الحاجة التي هي من أشرف النسب. فإن قصارى مجهود العابدين تصحيح هذه النسبة و من كان هذه حالته في العبادة فهو من الواصلين لا محالة.