تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٩ - كشف غطاء الروح البخاري مثال العماء
كشف غطاء [الروح البخاري مثال العماء]
ثم اعلم هداك اللّه طريق المعرفة و الشهود، إنّ النفس الناطقة هي المدبرّة بإذن اللّه تدبيرا طبيعيّا أو نفسانيّا لهذا البدن الجسماني الذي هو بجميع ما فيه من القوى و الحواسّ و الأعضاء و الآلات، عالم صغير بمنزلة العالم الكبير بما فيه من الأفلاك و العناصر و البسائط و المركبات الذي دبّره اللّه تدبيرا إلهيّا و تصرّف فيه برحمته و عنايته.
ثمّ إنّ النفس لم تدبّر لهذا البدن و لم تتصرّف في قواه و أعضائه إلّا بعد أن نزلت من علوّ تجرّدها و سماء تقدّسها و برزت من مكمن ذاتها الروحانيّة و باطن كينونتها العقلانيّة إلى عالم الحسّ و التجسّم.
فتوسّطت بين غيب هويّتها و مظهر شهادتها في ألطف ما يوجد من حدود عالم البدن من البخار اللطيف النفساني المتعلّق بالقلب الصنوبري الشكل المستدير الهيكل المحدّد لجهات البدن من أعلاه و أسفله.
فالنفس قبل تعلّقها بالبدن و تصرفّها فيه و تدبيرها لقواه و حواسّه التي هي كالسماوات و أعضائه التي هي كالأرضيّات، نزلت و تجسّمت بخارا لطيفا يتكوّن منه جميع لطائف البدن، و بسببه تقع الأفاعيل الإنسانيّة سيما التكلّم بالحروف و الكلمات التي هي أخص أفاعيل النفس الناطقة في هذه العالم.
و هذه اللطيفة البخاريّة التي ينزل فيها النفس قبل تصرّفها و فعلها في عالم البدن مثال للعماء الذي
جاء في الخبر وصفه بقوله [١]: إنّه كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء.
[١] ترمذى: المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية: ١/ ٦٥.