تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٦ - فصل مشرقي متعلق بقوله «و بالآخرة هم يوقنون»
عالم الملائكة و قد ينزل فيها و يسعى- و شرح ذلك يطول.
و هذه العوالم كلّها منازل للهدى، و لكن الهدى المنسوب إلى اللّه يوجد في العالم الأخير و هو عالم الأرواح و هو قوله قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ [٣/ ٧٣].
و لهذا قد وصف تعالى أولئك الموقنين بالآخرة على طريقة المدح بقوله عز و جل:
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ معنى هذا الاستعلاء بيان لتمكّنهم من الهدى و استقرارهم عليه تشبيها بحال من اعتلى الشيء و ركبه، و استعارة لعلى الموضوعة للثاني للأول، و نظيره فلان على الحقّ و فلان على الباطل.
و ربما وقع التصريح به كما في قولهم: ركب على متن الجهل. و جعل الغواية مركبا و الجهل مطيّة و امتطى الباطل.
و تحقيق القول في كونهم على الهدى تكرّر الإدراكات للأمور العقليّة و تكثّر الاشتغال بملاحظة الأشياء الملكوتيّة و المواظبة على الأفكار الصحيحة و دفع الشكوك و الشبهات عن المقاصد الحقّة و طرد شياطين الأوهام و الخيالات بنور المعرفة و اليقين حتّى يحصل للنفس ملكة الاتّصال بعالم الملكوت متى شاءت من غير تجشّم و كثير تعمّل.
فكأنّه تعالى لمّا مدحهم بالايمان بما انزل على الأنبياء عليهم السلام و الاطّلاع على ما في الصحف النازلة من السماء، مدحهم بالإقامة على ذلك و إدامة النظر فيها و المواظبة على حراستها عن شبه الضالّين، و أوهام المعطّلين و ذلك واجب على كلّ عاقل إذا كان متشددا في الدين خائفا وجلا محاسبا نفسه في علمه و عمله بمقتضى البراهين، و إذا حرس نفسه عن الزيغ و الضلال و دوام على العمل للاخرة من غير إخلال، كان ممدوحا بكونه على هدى و على بصيرة.
و تنكير هدى، للدلالة على ضرب مبهم لا يبلغ كنهه و لا يعلم غوره و لا يعرف قدره.
قال بعض الأكابر: الهدى من اللّه كثير لا يبصره إلّا بصير و لا يعمل به إلّا يسير ألا ترى انّ نجوم السماء يبصره كلّ بصير و لا يهتدى بها إلّا عالم خبير.