تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٥ - فصل مشرقي متعلق بقوله «و بالآخرة هم يوقنون»
الآخرة و مشاهدة الأرواح المجرّدة عن غشاوة هذه القوالب بواسطة انفتاح باب الملكوت على روزنة القلوب، و أعني بهذه الأرواح الحقائق المحضة و الصور المجردة عن كسوة التلبيس و غشاوة الأشكال.
و هذا العالم لا نهاية لها، بخلاف عوالم المحسوسات و المتخيّلات، فإنّها متناهية.
و أكثر الناس إدراكهم مقصور على عالم الحسّ و التخيّل من الطبيعيات و المقداريّات، و لم يؤمنوا بما وراء المحسوس و المتخيّل، و لم يعلموا علم ما قبل الطبيعة و لم يذعنوا بها كما قال تعالى وَ ما أَكْثَرُ النَّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [١٢/ ١٠٣].
و هذان المنزلان هما النتيجة الأخيرة من نتائج عالم الملكوت، سيّما عالم المحسوس فإنّه القشر الأقصى من اللباب الأصفى و من لم يجاوز هذه الدرجة، فكأنه لم يشاهد من مراتب الجوز إلا قشرته، و من عجائب الإنسان إلّا بشرته. و مقام كلّ أحد و محلّه و منزله و معاده في العلو و السفل بقدر إدراكه و هو معنى
قول أمير المؤمنين عليه السّلام [١]: «الناس أبناء ما يحسنون»
أي يعلمون و به يعملون.
فالإنسان بين أن يكون بهيمة أو جنيّا أو ملكا، و للملائكة درجات. فالسير في عالم الملكوت- و فيه منبع الحيوة الأبدية- مثاله المشي على الماء ثمّ يترقّى منه إلى المشي في الهواء و لذلك
لمّا قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [٢]: إن عيسى عليه السلام كان يمشى على الماء، قال: لو ازداد يقينا لمشى في الهواء.
و أمّا التردّد على المحسوسات، فهو كالمشي على الأرض، و بينها و بين الماء ٢٦٨- أي عالم الملكوت- عالم يجرى مجرى السفينة و المعبر من عالم الملك إلى عالم الملكوت الأعلى، و فيها يتولّد درجات الجنّ و الشياطين. ٢٦٩ فمتى تجاوز الإنسان عالم البهائم ينتهى إلى عالم الجنّ و الشياطين. و منه يسافر إلى
[١] بحار الأنوار: الروضة، باب ما جمع من جوامع كلمه (ع): ٧٨/ ٤٦.
[٢] كنز العمال: اليقين: ٣/ ٤٣٩.