تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٩ - الفصل الثالث في أن ما ذكره هذا القائل ينافي مذهب العارفين القائلين بهذا التوحيد عقلا و لفظا
الواجب تعالى ذا مهيّة غير الوجود بل ذا مهيّات متعدّدة و قد ثبت إنّه صرف الإنيّة و إن كانت نسبتها إليه تعالى تعلّقية ارتباطيّة و تعلق الشيء بالشيء فرع على وجودهما و تحقّقهما فيلزم أن يكون لكلّ من المهيّات وجود خاصّ متقدّم على انتسابها إليه تعالى و تعلّقها به إذ لا شبهة في أن معانيها غير معنى التعلّق بغيرها فإنّا كثيرا ما نتصوّر المهيّات و نغفل عن ارتباطها إلى الحقّ و هذا الكلام لا يجرى في الوجودات إذ يمكن لأحد أن يدّعى انّ هوياتها تعلّقية كما سنكشف على من هو أهله.
الرابع: قوله: الوجود واحد و الموجود كثير هوس محض لأنه إذا كان معنى الوجود أمرا نسبيّا عنده فلا فرق بين مذهبه و مذهب من يرى انّ الوجود أمر عامّ مصدريّ انتزاعيّ إلا بأنه سمّى المعني الانتزاعي بالانتساب إلى الجاعل فالقول بأنّ الوجود على هذه الطريقة واحد شخصيّ و الموجود كلّي متعدد دون الطريقة الاخرى تحكّم محض.
و أما انّ كلمة «لا هو إلّا هو» لا يدل على ما قرره في مسألة التوحيد فذلك بوجهين.
أحدهما: إنّ غاية ما ذكره إن شيئا من المهيّات لم يكن مهية قبل الجعل و التأثير فبقدرته تعالى صارت المهيّات مهيّات و لا تقرّر لشيء منها إلّا بتقريره كما ذكره و أين هذا المعنى من معنى لا هو إلّا هو إلا أن يرتكب حذف و إضمار و قيل معناه لا هو بلا جعل و تأثير إلّا هو و هذا أمر لا يحتاج إلى مزيد تقرير إذ لا شبهة لأحد من العقلاء المعتبرين فيه إلّا المعتزلة القائلة بثبوت المهيّات بلا جعل فإنّ الحكماء سواء ذهبوا إلى أن أثر الفاعل هو المهيّة أو ذهبوا إلى أنّه الموجوديّة، متّفقون على أن المهيّة قبل الجعل غير حاصلة إلا انّ إحدى الطائفتين قالت: إنّ المهيّة مجعولة أولا و الوجود تابع لها في الجعل، و الاخرى قالت:
إن صيرورة المهيّة موجودة أثر الجاعل و المهيّة تابعة له كما هو المشهور من توابع المشّاءين.
و ما أورده هذا القائل عليهم من أن الوجود أيضا مهيّة فيجب أن لا يكون مجعولا