تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٧ - بصيرة
أقول: جميع ما ذكروه في الاشكال و التأويل ضعيف قاصر عن الصواب، أما الوجوه المذكورة في الإشكال فالجواب عن الأول منها: ان نسبة كل فعل إلى مصدره المباشر، غير نسبته إلى المبدإ الفيّاض، و اللّه خالق كلّ شيء و مع هذا ينسب البعض إلى غيره كالاحراق إلى النار و التبريد إلى الماء و الإضاءة إلى الشمس و المطر إلى السماء، أو لا ترى أنّه نسب الإضلال إلى الشيطان في مواضع من القرآن، ثمّ قال:
وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ [٤٥/ ٢٣] و قوله: وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [٣٩/ ٢٣] و كذا نسب الوسواس إلى الشيطان في قوله: يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [١١٤/ ٥] و كذلك الهداية منسوبة إليه في آيات كثيرة مثل قوله: وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٢/ ٢١٣] و قد ينسب إلى غيره كما في مثل قوله: وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ [٧/ ١٨١] و كذا نسب التوفّي تارة إلى ملك الموت كما في قوله: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [٣٢/ ١١] و تارة إلى نفسه مثل قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [٣٩/ ٤٢] و كذا في كثير من النظائر. فليكن هاهنا من هذا القبيل. و الوجه في الجميع واحد كما سنذكره.
و عن الثاني ان الذم في الفعل القبيح يرجع إلى المباشر، لانفعاله به و تأثّره عنه و لا يرجع إلى فاعل الكل لتقدّسه و براءته عن الانفعال و التغيّر، و لكونه يفعل الأشياء لأجل الخير و الحكمة و الرحمة الواسعة من غير أن يعود إليه خيرها أو شرها.
و مما يبيّن و يحقّق هذا، إنّ نسبة السواد مثلا إلى الفاعل الموجد له آكد و أشدّ من نسبته إلى القابل. لأن نسبته إلى الفاعل بالإيجاب و الاقتضاء، و نسبته إلى القابل بالإمكان و الصحّة، و مع ذلك لا يقال لموجد السواد: إنه أسود، كما يقال لقابله، و ذلك لوجود التأثر و الانحصار هاهنا دون هناك، و كذا لا يطلق على موجد اللون و الطعم الصابغ و الطاعم بالمعنى الذي يطلق على المباشر. فلا يقال للباري: إنه صباغ مع أنه موجد جميع الأصباغ و الألوان على أحسن الوجوه، كما في قوله: و من أحسن من اللّه