تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٥ - بصيرة اخرى الإشارة إلى السفر الثالث من الأسفار الأربعة
و لهذا اقتصر إدراكها على ما يخصّها و لا يتجاوز عنه إلى المحسوسات الأربع الباقية و لخلوص القوّة المتخيّلة عن هذه الكيفيّات المحسوسة كلّها أدركت الجميع و أحضرتها لأنّ جوهر النفس الخياليّة غير مبصرة و لا مسموعة و لا مشمومة و لا مذوقة و لا ملموسة و لها قوّة قبول هذه الأشياء كلّها فلا جرم تقبلها كلّها.
و منها: إنّ ملكة العدالة النفسانية التي هي عبارة عن توسّط النفس الإنسانيّة في الشهوة بين الفجور و الخمود و في الغضب بين الجبن و التهوّر و في القوّة الإدراكيّة بين الجربزة و البلاهة لمّا كانت بمنزلة كون النفس خالية عن الاتّصاف بهذه الصفات الستّة التي كلّ منها هيئة نفسانيّة شاغلة إيّاها إذا كانت راسخة عن طلب الحقّ و سلوك الآخرة صارت بسببها مستعدّة للكمال العلمي، لأنّها عند انكسار هذه القوى و انقهارها عن طلب مشتهياتها و مقتضياتها تخلص عن انقيادها و طاعتها فيقع لها بقوّة عقلها الهيولاني- هيئة استعلائيّة عليها و قوّة نوريّة استعداديّة لطاعة الحقّ و انقياده و قبول أنوار المعارف الإلهيّة و أسرار المقاصد الربوبيّة فيصير عقله المنفعل علّامة بالحق مطيعا للّه تعالى.
فإذا علمت حال هذه الأمثلة فقس عليها حال السالك العارف باللّه عند عدم التفاته بما سواه و عند كونه غير مشغول السرّ بغير اللّه و غير متبجح بزينة ذاته من حيث هي ذاته و إن كانت بصورة المعرفة و هيئة العبوديّة بل مع غيبته ٨٠ عن ذاته و غيبته عن غيبة ذاته و فنائه عن فنائه و حينئذ يكون باقيا ببقاء اللّه ٨١ فوق ما كان باقيا بابقاء اللّه ٨٢ كما كان قبل الوصول و هذا هو مقام الفناء في التوحيد و المحو و إليه الإشارة بقوله: إيّاك نعبد.
فإذا بقي في هذا المحو و لم يرجع إلى الصحو كان مستغرقا في الحقّ محجوبا بالحقّ عن الخلق كما كان قبل ذلك محجوبا بالخلق عن الحقّ لضيق وعائه الوجودي و امتناع قبوله التجلّي الذاتي الشهودي فكذلك الموجود في مقام هذا التجلّى و الشهود احتجب