تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٦ - فصل الأقوال في المراد من الغيب
الباطل، و نورا يهتدى به المتّقون، في طريق الآخرة و سبيل النجاة، ممّا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الخطب فيه أعظم من أن يوصف أهله، و الحاملون لأسراره و المستبصرون بأنواره في عالم الملكوت، بأنّهم ليسوا عند الاهتداء به و الايمان بحقائقه منافقين و لا مستهزئين، بل هم أجلّ قدرا و أعظم شأنا من أن يقال في مدحهم: إنّهم ليسوا من حزب المنافقين و الشياطين.
و القول الثاني و عليه جمهور المفسّرين: إنّ الغيب هو أن يكون غائبا عن الحاسّة.
و الحقّ هو القول الثاني كما لا يخفى. لكن أصحاب هذا القول ذكروا انّ الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل و إلى ما ليس عليه دليل، فالمراد من هذه الآية هو الثاني.
و يدخل فيه العلم باللّه و بصفاته و العلم بالآخرة و بالنبوّة و بالشرائع و الأحكام.
و سبب كون العلم به مدحا للمؤمنين، إنّ في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقّة فيصلح أن يكون سببا للثناء و التعظيم.
أقول و فيه ما لا يخفى من التعسّف لما علمت من أنّ أصل الايمان الحقيقي نور من أنوار اللّه الفائضة على باطن الإنسان، و هو كمال حقيقي و سعادة حقيقية يوجب الثناء، لا لأنّ في تحصيل العلوم المتعلّقة بها مشقّة، بل لأنّه الغاية التي لأجلها خلق الإنسان بل بني العالم و الأكوان و ما يترتّب عليه من الأجر و الثواب مما لا يسع في الميزان و لا يحويه الحساب، يوم يقوم الناس لربّ العالمين. بخلاف ثواب الأعمال و ميراث الأفعال، فإنّ لها حدّا معدودا و ثوابا معلوما و قدرا موزونا يشاهده كلّ أحد في ذلك اليوم.