تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٦ - حكمة قرآنية تفسير الحروف المقطعة حسبما قاله ابن سينا
سمّاها بالنيروزية، إلى أنّ هذه الحروف أسماء للحقائق الذاتية بعضها لذات اللّه تعالى مطلقا، و بعضها لذاته مضافة إلى ما أبدعه، و بعضها لمبدعاته مطلقة، و بعضها لها مضافة على الوجه الذي سنذكرها، و أقسم اللّه بهذه الأشياء العظيمة تكريما و تعظيما.
و نحن اخترنا مذهبه و تتبّعنا إثر كلامه في هذا المرام.
فنقول: لا شبهة إنّ اللّه قد أوجد الموجودات المتأصّلة على ترتيب و نظام، الأول و الثاني و الثالث على ترتيب مراتب العدد. لأنّه ليس في قوة الكثرة أن يظهر عنه تعالى أولا، كما ليس في قوة الزمان أن يوجد عنه في آن دفعة و لا في استطاعة الجسم أن يتكوّن عنه مبدعا، فالترتيب يرتقي بالكثير إلى الواحد الحقيقي بحيث لا ينثلم به وحدته.
و كما انّ الواحد مبدأ الأعداد و الكثرات كلها على الترتيب الأبسط فالأبسط، فكذلك الباري جلّ كبرياؤه مبدع الأشياء كلها على ترتيب الأبسط فالأبسط، و هو فاعل الإنيّات المتأصّلة، و الأنواع الكاملة قبل شخصيّاتها الزمانيّة على الترتيب الإلهي الإبداعي و النظم الربّاني الأحدي أولا و ثانيا و ثالثا و كلّما كان الوجود فيه أشرف، كانت الوحدة فيه أتمّ و كان في درجة الاستفادة للوجود أقدم، و هكذا إلى أن ينتهى الترتيب النزولي إلى الموجودات الزمانيّة و المكانيّة من الجزئيّات المتكثرة في التشخّص، المتّحدة في المعنى و الحقيقة و هي بمنزلة ظلال و أشباح لما في العالم الأعلى الإلهي من الحقائق المتأصّلة التامّة، التي لا ينفك تمامها عن بدوها.
و إذا سئلت عن شيء منها بما هو و لم هو، كان الجواب عنهما واحدا، لأنّه تامّ الوجود لا يعوزه شيء من وجوده و من كمال وجوده عنه.
فلكلّ منها مرتبة خاصّة من الوجود لا يمكن أن يتعدّاه سابقا أولا حقا، إذ كون كلّ منهما في مرتبته كالمقوّم لذاته، و كما إنّ الأوليّة عين ذات المبدأ تعالى، فكذا الثانويّة للموجود الذي بعده بعديّة ذاتيّة و الثالثيّة للموجود الذي بعده بوسط واحد، بعديّة