تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٩ - تحقيق عرشي هل توجب الكبيرة الخلود في النار؟
تحقيق عرشي [هل توجب الكبيرة الخلود في النار؟]
اعلم إنّ سبب خلود أهل النار في النار و حرمانهم عن النجاة هو الملكة الراسخة للنفس بواسطة الأفاعيل الموجبة لحصول ما هو فيها بمنزلة الطبع و الرين في المرآة المقتضي لعدم قبولها للتصقيل و التصفية، سواء كان منشأها الكفر و الجحود، أو المعاصي و السيّئات.
فإنّ النفس الإنسانيّة في الفطرة الاولى قابلة لقبول آثار الملائكة و آثار الشيطانيّة و آثار البهائم و السباع قبولا متساويا، و إنّما يقع المنع لها عن قبول بعض تلك الآثار بواسطة حصول بعض آخر لها، و متى اشتدّ حصول البعض فيها بحيث صار ملكة راسخة فيها، منع بالكليّة عن قبول آثار الغير، فمتى رسخت للقلب صفات البهيميّة أو السبعيّة أو الشيطانيّة بحيث انّها صارت ملكة كالطبع و الرين لمرآة القلب، فكدرتها و ظلمتها صارت مانعة له عن قبول صورة الرحمة الرحموتيّة و الهيئة الملكوتيّة منعا كليا أبديّا لكون المانع هناك صفة ذاتيّة جوهريّة كما حقّق في مجال أوسع من هذا المجال.
و قد مرّت الإشارة إلى أن الإنسان في أول أمره، بين أن يكون بهيمة أو سبعا أو شيطانا أو ملكا، و في الآخرة لا يكون إلّا أحد هذه الأمور لأجل غلبة بعض الصفات المختصّة به على قلبه من جهة تكرّر أفاعيل تناسبها، و إلى نحو هذا المعنى أشير في قوله فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ و قوله كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ.
فإذا تقرّر هذا، فربّ كبيرة من المعاصي يوجب تكرّر فعلها عن النفس خلودها في النار لضعف الايمان و قوّة العائق عن الخلاص، و ربّ كبيرة لا يكون كذلك لقوّة الايمان و ضعف العائق فيحتمل العفو عنها، و اللّه أعلم بأحوال قلوب العباد. فعلى هذا لا تناقض بين الآيات الدالّة على ثبوت الوعيد من اللّه على صاحب الكبيرة و الآيات الدالّة على ثبوت العفو عمّن يشاء، و سنزيد لهذا وضوحا في موضع آخر إنشاء اللّه تعالى.