تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٦ - فصل في كيفية إنزال الوحي على الأنبياء عليهم السلام
السماء كلام اللّه تعالى فنزل به على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و هذا كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر و الرسالة لا تنزل، و لكن المستمع سمع الرسالة في علوّ فينزل بها و يؤدّيها في سفل. و قول الأمير لا يفارق ذاته و لكن السامع يسمعه و يؤدّي بلفظ نفسه.
و ربما استشكل بعضهم هذا أي سماع جبرئيل كلام اللّه- سيّما القائل بأنّ كلامه ليس من جنس الأصوات و الحروف- فأجابوا عنه:
أمّا المعتزلة فبأنّه يخلق اللّه أصواتا و حروفا على لسان جبرئيل و هذا معنى الكلام عندهم.
و أمّا الأشاعرة فتارة بأنّه يحتمل أن يخلق اللّه له سماعا لكلامه ثمّ أقدره على عبارة يعبّر بها عن ذلك الكلام. و تارة بأنّه يجوز أن يخلق اللّه في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص فقرأه جبرئيل عليه السلام فحفظه. و تارة بتجويز أن يخلق أصواتا مقطّعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فتلقّفه جبرئيل، و يخلق له علما ضروريّا بأنّه هو العبارة المؤدّية لمعنى ذلك الكلام القديم. هذا خلاصة ما ذكروه في هذا المقام [١].
و طائفة استدلّوا على كون الملائكة أجساما متحيّزة بأنّ وصف القرآن بالنزول الذي لا يتّصف به إلّا المتحيّز بالذات دون الأعراض و سيّما غير القارّ منها كالأصوات، إنّما هو بتبعيّة محلّه سواء أخذ حروفا ملفوظة أو معاني محفوظة، و هو الملك الذي يتلقّف الكلام من جانب الملك العلّام تلقّفا سماعيا، أو يتلقّى القرآن تلقّيا قلبيّا، أو يتحفّظه من اللوح المحفوظ ثمّ ينزل به على الرسول، و لا يتمشّى ذلك إلّا بالقول بتجسّم الملائكة و هذا هو مسلك أرباب الجدل و التخييل دون أصحاب البصيرة و التحصيل.
و أما على مسلك هؤلاء و ممشاهم من القول بما هو صريح الحقّ و ما عليه كافّة الحكماء الإلهيّين و الربانيّون من الإسلاميّين و هو انّ الملائكة- كما مرّ- تطلق على قبائل
[١] الفخر الرازي: ١/ ٢٥٤.