تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ١
و الراسخون- سواء وقع الوقف على اللّه أم لا إذ الراسخون إذا علموا تأويله لم يعلموا إلا باللّه و لم يحيطوا به علما إلا بعد فناء ذواتهم عن ذواتهم، و اندكاك جبل هويّاتهم و لا يحيطون بعلمه إلّا بما شاء. ٨ و الغرض من هذا الكلام إن علم القرآن مختلف. و الأذواق فيه متفاوتة حسب اختلاف أهل الإسلام في المذاهب و الأديان. و كل حزب بما لديهم فرحون إلا ان سائر المشتغلين به منهم في واد و أهل القرآن و هم أهل اللّه و حزبه في واد لأنهم من أهل القول و العبارة و هؤلاء من أهل الكشف و الاشارة. و من أراد أن يتقحّم لجة هذا البحر العميق و يخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، كان يجب عليه أولا أن يطلع على سائر التفاسير و يتفحّص عن عقيدة كل فرقة من فرق اثنين و سبعين و يستكشف أسرار مذهب كل طائفة من طوائف المسلمين. ليميز بين محقّ و مبطل و متديّن و مبتدع و يكون كما حكى الشيخ أبو حامد [١] عن نفسه: لا يغادر باطنيّا إلا و يريد أن يطّلع على بطانته و لا ظاهريا الا و يقصد أن يعلم حاصل ظهارته. و لا فيلسوفا إلا و يتحرى الوقوف على كنه فلسفته و لا متكلّما إلا و يجتهد في الاطلاع على غاية كلامه و مجادلته و لا صوفيّا إلا و يحرص على العثور على سرّ صفوته. و لا زنديقا أو معطّلا إلا و يتجسس للتنبّه لأسباب جرأته في زندقته أو تعطيله و كان لم يزل التعطّش إلى درك حقائق الأمور دأبه و ديدنه و غريزيا له فطرة من اللّه في جبلته لا باختياره و حيلته حتّى انحلّت عن قلبه رابطة التقليد و انكسرت عليه سفينة العقائد الموروثة على قرب الصبى من الآباء و الأساتيد. إذ قدر رأى صبيان النصارى لا يكون لهم نشؤ إلا على التنصّر و صبيان اليهود لا نشؤ لهم إلا على التهوّد و صبيان المسلمين لا نشؤ لهم إلا على الإسلام كما دل عليه الحديث المروي عن رسول اللّه [٢] صلّى اللّه عليه و آله: كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه فإذا
[١] المنقذ من الضلال: المقدمة، ٢٤.
[٢] البخاري: كتاب التفسير، سورة الروم: ٦/ ١٤٣.