تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٨ - و أما الحركة الإرادية
فالأرواح الإنسية متفاوتة بحسب أصل الفطرة الاولى مختلفة في الصفاء و الكدورة و الضعف و القوّة مترتّبة في درجات القرب و البعد من اللّه تعالى و الموادّ السفليّة الواقعة بإزائها متباينة في اللطافة و الكثافة و مزاجاتها، متفاوتة في القرب و البعد من الاعتدال الحقيقي فقابليّتها لما يتعلّق بها من الأرواح متفاوتة و قد قدر اللّه تعالى في القضاء السابق بإزاء كل روح ما يناسبه من الموادّ و بإزاء كلّ معنى ما يحاذيه من الصورة فألطف الموادّ و الصور لأشرف الأرواح و أنوار النفوس.
و قد علمت سابقا إن تفاوت النفوس البشرية- المتخالفة ١٤٦ الحقائق- لتفاوت أصولها و معادنها العقليّة و مفاتيح أبوابها الإلهيّة و من أجلها و من أجل تفاوتها في الإدراكات و الإرادات و الأشواق وقع الاختلاف بينها في الهداية و الضلال و الطاعة و العصيان و التوفيق و الخذلان و السعادة و الشقاوة و حسن العاقبة و سوئها و الثواب و العقاب و الجنّة و النار.
فإن قلت: ما الفائدة في التكليف بالطاعات و الدعوة بالآيات و الأمر و النهي و الترغيب و الترهيب إذا كان الجميع منتهية إلى قضاء اللّه و تقديره و ما تأثير السعي و الجهد و الطاعة و العبادة؟
قلنا: هذه الأمور من جملة الأشياء الواقعة بقضاء اللّه و قدره و الأسباب المقدّرة التي جعلها اللّه تعالى مهيّجات للأشواق و الإرادات و محرّكات و دواعي إلى طلب الخيرات و اكتساب الدرجات و محرّضات على أعمال حسنة مورثة لعادات محمودة و أخلاق جميلة و ملكات فاضلة مزكّية للنفوس منوّرة للقلوب مقرّبة إيّاها إلى اللّه نافعة في معاشنا و معادنا يحسن بها حالنا في دنيانا و يحصل بها سعادة عقبانا، أو محذّرات من الشرور و القبائح و الذنوب و الرذائل المكدّرة للنفوس المسوّدة للقلوب مما يضرّنا في العاجل و نشقي بها في الآجل.