تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٦ - فصل الرحمن و الرحيم
و الثالث: كمن يعطيه لطلب الثناء الجميل.
و الرابع: كمن يعطيه لطلب الثواب الجزيل أو لإزالة حبّ الدنيا أو رقّة الجنسيّة عن قلبه و هذه الأقسام كلّها أعواض فيكون ذلك الإعطاء بالحقيقة معاملة و معاوضة و لا يكون جودا و لا هبة و إعطاء و أما الحقّ تعالى فهو لمّا كان كاملا في ذاته و صفاته فيستحيل أن يعطى شيئا ليستفيد به كما لا فهو الجواد المطلق و الراحم الحقّ.
و اعلم: إنّ هذا إنّما يتمّ على مذهب أهل الحقّ، القائلين بأنّه تعالى تامّ الفاعليّة بحسب ذاته و صفاته، لا يعتريه قصد زائد و لا لفعله غاية سوى ذاته و كان صدور الأشياء منه على سبيل العناية و الفيض، دون القصد و الرويّة كما زعمه الأكثرون تعالى عنه علوّا كبيرا.
الثاني: إنّ كلّ ما سواه ممكن الوجود بحسب مهيّته و الممكن مفتقر في وجوده إلى إيجاد الواجب إيّاه ابتداء إذ إمكان الشيء علّة احتياجه إلى المؤثّر الواجب كما برهن عليه في مقامه، و كلّ رحمة تصدر من غير اللّه فهي إنّما دخلت في الوجود بإيجاد اللّه لا بإيجاد غير اللّه، إذ ليس لغيره صفة الإيجاد، بل إنّما شأن غيره ٣٤ الإعداد ٣٥ و التخصيص في الاستناد فيكون الراحم في الحقيقة هو اللّه.
الثالث: إنّ فلانا يعطى الحنطة مثلا و لكن لا يقع الانتفاع بها ما لم يحصل المعدة الهاضمة للطعام و الشهوة الراغبة إلى أكله و القوى الناهضة لذلك، و الآلات المعدّة لنقله و طحنه و عجنه و طبخه و غير ذلك، و ما يتوقّف عليها من الخشب و الحديد و النّجار و الحدّاد و الأرض التي يقومون عليها و الهواء الذي يتنفسّون به و الفلك الذي يحدّد جهات أمكنتهم و أزمنتهم، و الكواكب التي تنوّر في الليل و النهار بحركاتها أكنافهم و تسخّن أطرافهم و تنضج حبوبهم و أثمارهم التي يتغذّون بها و الملائكة الذين يدبّرون السموات و يحرّكون الكواكب كالشمس و القمر و غيرهما على سبيل المباشرة و الملائكة العلويّة الذين يدبّرون هذه الملائكة على سبيل التشويق بالوحي و الإعلام، فما دام