تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٧ - ظلمات وهمية تزاح بأنوار عقلية
ظلمات وهمية تزاح بأنوار عقلية
إنّ القائلين بالقول الأول احتجّوا بوجوه [١]:
الأول إنّ قوله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ فيه ايمان بالأشياء الغائبة. فلو كان المراد من قوله: يؤمنون بالغيب، هو الايمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف عين المعطوف عليه و إنّه غير جائز.
الثاني إنّه لو حملناه على الايمان بالغيب، يلزم القول بأنّ الإنسان يعلم الغيب و هو خلاف قوله: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [٦/ ٥٩] و كذا الآيات النافية لكون الإنسان عالما بالغيب، أما لو فسّرناه بما قلنا فلا يلزم هذا المحذور.
الثالث: إنّ إطلاق الغيب إنّما يجوز على ما يجوز عليه الحضور، فعلى هذا لا يجوز إطلاق الغيب على ذات اللّه و صفاته، فلو كان المراد من الآية الايمان بالغيب بهذا المعنى لما دخل فيه الايمان باللّه و بصفاته، و لا يبقى فيه إلا الايمان باليوم الآخر و ذلك باطل.
لأنّ الركن العظيم في الايمان، هو الايمان بذات اللّه و صفاته فحمل اللفظ على هذا المعنى فاسد.
و الجواب أما عن الأول: فبأنّ قوله: يؤمنون بالغيب، يتناول الايمان بالغائبات إجمالا و قوله: الّذين، مع ما يتلوه يتناول تفصيل بعضها، و هذا من باب عطف التفصيل على الجملة كما في قوله: وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ [٢/ ٩٨].
و أما عن الثاني: فبأنّه لا نزاع في أنّا نؤمن بالأشياء الغائبة عنّا و كان ذلك التخصيص لازما في الآيات الدالّة على نفي العلم بالغيب عن الإنسان على أيّ وجه كان، فنقول:
الغيب على ضربين: منها ما يتطرق إليه الدليل و البرهان و منها ما لا يكون كذلك،
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٢٥٠.