تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٧ - و أما الحركة الإرادية
فقد ظهر انّ فعلية الوجود و تأكّده في الجملة لا ينافيان الشقاوة بإدراك الآلام الحاصلة من الكفر و المعاصي و كذا الرجوع الاضطراري إلى الحضرة الإلهيّة لا ينافي الشقاوة و العذاب فإنّ أنوار النفوس الإنسانيّة إنّما هبطت كالكواكب إلى هذا القالب الفاني مدّة هذه الكون الجسماني و غربت فيه، و ستطلع عند خراب القالب و انقطاع عمره و بوار نشأته من مغربها إلى مشرقها الأصلي و خالقها و باريها إمّا مظلمة منكسفة و إمّا زاهرة مشرقة.
و الزاهرة المشرقة غير محجوبة عن الحضرة الإلهيّة و المظلمة أيضا راجعة إلى الحضرة إذا المرجع و المصير للكلّ إليه كما مرّ إلا انّها ناكسة الرؤوس عن جهة أعلى علّيين إلى جهة أسفل سافلين منقلبة الوجود إلى الدنيا و لذّاتها و طيّباتها التي هي بعينها منشأ آلام الآخرة و خبثياتها.
أو لا ترى النبات في نموّه و نشؤه يتقارب إلى عالم السماء و الضياء إلا انّه منكوس الرأس ١٤٥ متوجّه نحو السفل و لذلك قال تعالى وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فبيّن انّ نفوس الأشقياء أيضا عند ربّهم إلا انّهم منكوسون منحوسون قد انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم و انتكست رؤسهم عن جهة فوق إلى جهة تحت و ذلك حكم اللّه و قضاؤه فيمن حرّمه توفيقه و لم يهد له سلوك صراط المستقيم نعوذ باللّه من الضلال و العدول عن منهج أهل الكمال.
فإن قلت: إذا كان الكلّ مفطورة على حبّه تعالى و طلبه و التشوّق إليه فما سبب تفاوت هذه النفوس الإنسانيّة في الهداية و الضلال و الطاعة و المعصية؟
قلنا: لتفاوتها في الصفاء و الكدورة و القوّة و الضعف و الشرافة و الخسّة و بحسب ما يتفّق لها من الأسباب البدنية و الأحوال الدنيويّة من الاستعدادات الماديّة و العوارض الاتفاقية المتسلسلة المنتهيّة إلى الأمور العلوية و القضاء السابق الأزلي.