تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٣ - تحقيق حكمى لا جبر و لا تفويض
العبد و إرادته و علمه و شوقه و مشيئته مستنده إلى مشيئة اللّه و علمه، مثبتة في قضائه و قدره، و إنّ من الأسباب القريبة الظاهرة لأفاعيلنا إنّما هي قدرتنا و إرادتنا فمن نظر إليها قاصرا نظره إلى هذه الأسباب القريبة، قال بالقدر و التفويض، أي واقعة بتقديرنا مفوّضة إلى تدبيرنا.
قال النبي [١] صلّى اللّه عليه و آله: «القدريّة مجوس هذه الامّة»
لأنّهم يثبتون مبدئين كالمجوس القائلين بيزدان، و أهرمن.
و من نظر إلى السبب الأوّل و علم كون تلك الأسباب و الوسائط بأسرها مستندة على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل و المعلولات إلى اللّه استنادا واجبا و ترتيبا معلوما على وفق القضاء و القدر و قطع النظر عن الأسباب القريبة مطلقا، قال بالجبر و خلق الأفعال، و لم يفرّق بينها و بين أفعال الجمادات.
و كلاهما أعور لا يبصر بإحدى عينيه. أما القدريّة فبالعين اليمنى- أي النظر الأقوى الذي به يدرك الحقائق- و أما الجبريّة فباليسرى- أي الأضعف الذي به يدرك الظواهر- فأما من نظر حقّ النظر فأصاب، فقلبه ذو عينين يبصر الحقّ باليمنى فيضيف الأفعال إليه خيرها و شرّها و يبصر الخلق باليسرى فيثبت تأثيرهم في الأفعال به سبحانه لا بالاستقلال و لا بمعنى الاشتراك كما توهّم بل بمعنى آخر يعلمه العارف الحكيم و
أشار إليه الصادق عليه السلام «لا جبر و لا تفويض بل أمر بين أمرين»
فيذهب إليه و يتذهّب به و ذلك هو الفضل الكبير.
روى صاحب الكافي [٢] رحمه اللّه عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، [عن غير واحد] عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السلام قالا: إنّ اللّه أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذبهم عليها، و اللّه أعزّ من أن يريد أمرا فلا يكون.
[١] مضى آنفا.
[٢] الكافي: كتاب التوحيد، باب الجبر و القدر ...: ١/ ١٦٠.