تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٥ - منهج اخرى في نظم فاتحة الكتاب
و أما اشتمالها على علم الوسط فلأن قوله: ايّاك نعبد و ايّاك نستعين، إشارة إلى الأعمال و الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عاملا بها و مديما عليها ما دام كونه في هذه الحيوة الدنيا و هي قسمان بدنيّة و قلبيّة، فالبدني تهذيب الظاهر عن النجاسة و تزيينه بالعبادة كالصلوة و الصيام و غيرها.
و القلبي تهذيب الباطن عن الغشاوات و خبائث الملكات بإعانة اللّه و توفيقه لتستعدّ نفسه بذلك لأن تتنوّر بأنوار المعارف الإلهيّة و تستكمل بالحقائق الربّانية ليتقرّب بذلك إلى اللّه و يحشر إلى دار كرامته كما دلّ عليه قوله تعالى: اهدنا الصّراط المستقيم، أي علّمنا طريق الوصول إليك.
و أما اشتمالها على علم المعاد و هو العلم بأحوال النفس الإنسانيّة الكاملة في العلم و العمل المبرأة عن آفة الجهل و نقص العصيان فقوله: صراط الّذين أنعمت عليهم إلى آخرها، إشارة إلى علم النفس و هي صراط اللّه العزيز الحميد و باب اللّه المؤتى منه إلى الحق، فبالنفس الإنسانيّة العالمة العاملة المهتدية بنور اللّه، يساق الخلق إلى الحقّ و يدخل الخلائق كلّها في طريق العود من هذا الباب إلى الخالق، فإنّ الوجود في صورة دائرة انعطف آخرها على أولها فكما إنّ الوجود في الابتداء كان أولا العقل ثمّ النفس الكلّية ثمّ الطبيعة الكلّية ثمّ الأبعاد و الأجرام كلّها ففي الانتهاء كان أولا جمادا ثمّ نباتا ثمّ حيوانا ثمّ إنسانا و له مراتب باطنيّة كان أولا في مقام الطبيعة و النفس ثمّ في مقام القلب و العقل ثمّ في مقام الروح و السرّ، و إذا بلغ إلى هذا المقام اتّصل بغاية الكمال و التمام.