تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٢ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٦
فالأمر فيه أظهر [١].
فهذا تحقيق مهيّة الكفر على قاعدة الاستدلالات الكلاميّة و ظهر منه انّه يرجع إلى الإنكار الباطني أو عدم التصديق القلبي فيكون من أعمال القلب كالايمان لكونهما متقابلان إما تقابل التضاد أو تقابل العدم و الملكة كالعلم و الجهل، فعلى هذا لبس الغيار و شد الزنّار و نحوهما إنّما يسمّى كفرا لأنّها تدل على تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه و آله. فإنّ من آمن باللّه و صدّق الرسول، لا يجترئ عليها ظاهرا لا أنهما كفر في نفسهما كما انّ التزيّى بشعار المسلمين دالّ على الايمان، لا إنّه ايمان.
و أما تحقيق حقيقة الكفر عند العرفاء الذين يعرفون الأمور بالبصيرة الباطنيّة لا بالاستدلال الكلامي، فهو انّه عبارة عن الاحتجاب عن نور الايمان، لما علمت انّ الايمان الحقيقي نور فائض من اللّه على القلب، به ينكشف أحوال المبدإ و أسرار المعاد، و لهذا الايمان قشر و هو ايمان المتكلّم و لقشره قشر و هو ايمان العوام.
فالكفر الذي يقابله، هو الستر و الاحتجاب عن ذلك النور بالكليّة و هو على ضربين: لان هذا الاحتجاب إمّا بأمر وجودي كالظلمة التي يضادّ ذلك النور، و هو الجحود للحقّ و الإنكار له عدوانا و عنادا للجهل المركّب الراسخ في النفس أو بأمر عدمي هو عبارة عن عدم الايمان للجهل البسيط المقابل للعلم تقابل العدم للملكة.
و قد وقع الفرق بين القسمين في كلام اللّه كثيرا كما في هذه الآية و الآية التي يتلوها، و لهذا قيل: إنّ المراد هاهنا بقوله: «الّذين كفروا» مشركي مكّة و صناديد قريش من الذين غلظت طبائعهم و غلبت الكثافة و الجسميّة على نفوسهم و الختم على قلوبهم، فقلوبهم في أكنّة و نفوسهم لم تخرج بعد من القوّة إلى الفعل لعدم السمع الباطني و البصر الباطني لهم.
[١] الفخر الرازي: ١/ ٢٥٩.