تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٧ - مكاشفة اخرى درجات غضبة تعالى
و لا وصف نفسه بغضب و لا البطش الشديد فهذا كلّه من المبالاة و الهمّ بالمأخوذ المحدود إذ لو لم يكن له قدر ما عذّب و لا استعذب. و قد قيل في أهل التقوى: انّ الجنّة اعدّت للمتّقين.
و قال في أهل الشقاء أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [٧٦/ ٣١] فلو لا المبالاة ما ظهر هذا الحكم.
فللأمور و الأحكام مواطن عرفها أهلها و لم يتعدّ بكل حكم موطنه و العالم لا يزال يتادّب مع اللّه و بعالمه في كل موطن بما يريد الحقّ و من لا يعلم ليس كذلك فبالقدمين أغنى و أفقر و بهما أمات و أحيى و بهما خلق الزوجين الذكر و الأنثى و بهما أعزّ و أذلّ و أعطى و منع و أضرّ و نفع، و لولاهما ما وقع في العالم شرك فإنهما اشتركتا في الحكم و العالم فلكل منهما دار يحكم فيها، و أهل يحكم فيهم بما شاء اللّه من الحكم.
مكاشفة اخرى [درجات غضبة تعالى]
اعلم إنّ النعيم و العذاب ثمرة الرضا و الغضب و لكل منها ثلاث مراتب كما في باقي الصفات. فأول درجات الغضب يقضى بالحرمان و قطع الإمداد العلمي المستلزم لتسلّط الجهل و الهوى و النفس و الشيطان. لكن كلّ ذلك موقتا إلى أجل معلوم عند اللّه في الدنيا إلى النفس التي قبل آخر الأنفاس في حق من يختم له بالسعادة الاخرويّة كما ثبت في الحديث [١] سواء كانت سلطنة ما ذكر ظاهرا أو باطنا ١٩٧ او هما معا. و لا شك في أن كلّا من الأمور المذكورة مبادئ كمالات دنيويّة و لذّات عاجلية لمن في حزبها. و الرتبة الثانية تقضى بانسحاب الحكم المذكور باطنا هاهنا و ظاهرا في الآخرة برهة من الزمان الاخروي أو يتّصل الحكم إلى حين دخول جهنّم و فتح باب الشفاعة و آخر مدّة الحكم حال
[١]
في الكافي كتاب التوحيد، باب السعادة و الشقاء: (١/ ١٥٤) عن الصادق (ع): يسلك بالسعيد في طريق الأشقياء حتى يقول الناس ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثم يتداركه السعادة ... ان من كتبه اللّه سعيدا و ان لم يبق من الدنيا الا فواق ناقة ختم له بالسعادة.
و روى ما في هذا المعنى عن النبي (ص) ايضا راجع الترمذي: كتاب القدر، باب ان الاعمال بالخواتيم: ٤/ ٤٤٦.