تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٠ - فائدة اخرى سر الالتفات من الغيبة الى الخطاب
المشاهدة فيراه عيانا و يشاهده كفاحا و يشافهه شفاها كما أشار إليه صاحب الإشارات [١] المرتقى بصفاء ضميره عن درجة أهل العبادات الواصل إلى مقامات العارفين و درجات المكاشفين كما يفصح عنه قوله: «و هناك» أي عند الخوض في لجّة الوصول و السفر في بحر الحقيقة بعد العبور على منازل العقول «درجات ليست أقل ممّا قبلها» بحسب كثرة العجائب و فنون الغرائب و تمادى الأسفار و تباعد المراحل و تفاوت المنازل لأن كل حقيقة من الحقائق الكونية و كلّ صورة من الصور الكمالية الوجودية التي هي ثابتة للموجود بما هو موجود في شيء من العوالم فهي هناك بالفعل على وجه أعلى و أشرف و أتمّ من غير لزوم تكثّر و تطرّق تغيّر في الحضرة الأحدية، فالذات الأحدية أرض كل الحقائق ٧١ و سماء أنوار الهويّات يقع فيه سير المسافرين و يدور عليه أنوار السائرين من اللّه مشرقها و إلى اللّه مغربها إذ ما شأنه أن يعاين بحق اليقين و عينه فكيف يمكن أن يدرك بعلم اليقين أو دونه؟
إلا انّ البيان قاصر عن وصفه و اللسان يكلّ عن نعته، و لهذا قال صاحب المقامات- اعتذارا عن بيان أحوال هذا المشهد- [٢]: «آثرنا فيها الاختصار فإنها لا يفهمها الحديث و لا يشرحها العبارة و لا يكشف عنها المقال غير الخيال، من أحبّ أن يتعرّفها فليتدرّج إلى أن يصير من أهل المشاهدة دون المشافهة و من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر» انتهى كلامه.
و نحن أيضا قد آثرنا الاختصار في مقام خرست فيه ألسن الفصحاء و اتّبعنا
قول سيّدنا و بيّنا عليه و آله الصلوة و الدعاء: إذا بلغ الكلام إلى اللّه فأمسكوا [٣].
(١- ٢) الإشارات و التنبيهات: النمط التاسع، الاشارة السادسة عشرة.
[٣] جاء مثله عن الصادق (ع): باب النهى عن الكلام في الكيفية: ١/ ٩٢.