تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٣ - مكاشفة اخرى في مبدأ وجوب هذا التعبد الروحاني
شهوة و لا من لوازم الطبيعة قوّة و لا من الدواهي النفسانيّة بقيّة.
فناجى ربّه بقلبه و روحه عند طرح قالبه و بدنه في آخر منازل الجسميّة، فقال كما
روي عنه صلّى اللّه عليه و آله: إنّي وجدت لذّة غريبة في ليلتي هذه فاعطني يا ربّ هذى و يسرّ علىّ طريقا يوصلني كلّ وقت إلى لذّتى، فأمره اللّه بالصلاة فقال: يا محمد المصلّى مناج ربه.
و لا يخفى على العاقل المتأمّل انّ مناجات اللّه لا يكون بالأعضاء البدنيّة، و لا بالألسن الجسمانيّة لأن هذه المكالمة إنما يصلح لمن يحويه مكان و يقترن به حركة و زمان، أما الواحد المقدّس الخارج عن عالم المحسوس و الحسّ الذي لا يحيط به مكان و لا يحويه زمان و لا يعتريه تجدّد و تغيّر و لا يشار إليه بجهة من الجهات و لا يختلف حكمه في صفة من الصفات، فكيف يعاينه الإنسان المشكّل المجسّم المحدود بجسمه، المقيّد المحصور بحسب قوله و فعله و شعوره و حسّه؟
و كيف يناجي في هذا العالم المركّب الخروب من لا يعرف حدود جهاته و لا يرى جناب صفاته؟
فإنّ الوجود المطلق عن عالم المثل و المحسوسات، بل المرتفع عن إمكان الأرواح و العقليّات، غائب عن الحواسّ، غير مشار إليه بالأخماس و لا يدرك بالألماس، و من عادة الجسم و الجسمي أن لا يناجي و لا يجالس إلا من يراه بالبصر، و يحسّ بالحس و يدركه بإحدى الخمس. و إذا لم ينظر إليه و لم يشاهده يعده غائبا و يكون بفقده عن المشاعر خائبا.
فمن كان خارجا عن هذا الباب مقدّسا عن طرفي هذا النفي و الإثبات جميعا، و عن المداخلة و المزايلة رفيعا، فمناجاته بإحدى الظواهر و الآلات أمحل المحالات و أفحش الخرافات الموهومات.
فاذن قوله: «المصلّي مناج ربه»، محمول على عرفان النفوس العرّافة العلّامة