تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٧ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ٧
فافتقرت إلى حسّ تدرك به ما بعد عنك فخلق اللّه فيك حسّ الشمّ إلّا انّك تدرك بها الرائحة و لا تدرى انّها جاءت من أيّ ناحية، فتحتاج إلى أن تطوف كثيرا من الجوانب، فخلق لك البصر لتدرك ما بعد عنك وجهته معا فتقصده و لا تدرك بها ما وراء الجدران و الحجب، فخلق لك السمع حتّى تدرك بها الأصوات من وراء الجدار عند جريان الحركات و لأنّك لا تدرك بالبصر إلّا موجودا حاضرا و أمّا الغائب فلا يمكنك معرفته إلّا بكلام ينتظم من حروف و أصوات، فأنعم اللّه عليك بهذه الحاسّة و ميّزك بفهم الكلام عن سائر الحيوانات.
و كلّ ذلك ما كان يغنيك لو لم يكن لك حسّ الذوق لتدرك أنّ غذائك موافق لك أو مخالف فتأكله فتهلك. ثمّ هذه كلّها لا يكفيك لو لم يخلق في مقدّم دماغك حسّ آخر يجتمع عنده مدركات هذه الخمس فتحتاج إلى هذا الحسّ و إلى الحافظة ليحفظ عندك صورة ما ادّخرته من الغذاء إلى وقت الحاجة و إلى مدرك للمعاني المتعلّقة بأفراد نوعك و جنسك التي تحتاج إلى صداقتها و دفع عداوتها في تحصيل الغذاء الذي يحصل لك بالصناعة لا بالطبيعة، و إلى حافظ لها و إلى متصرّف فيها و في الصور المخزونة بالتفصيل و التركيب و الاستحضار و هذه كلّها تشاركك فيها الحيوانات.
فلو لم يكن لك إلّا هي لكنت ناقصا لعدم إدراكك عواقب الأمور فميّزك اللّه و أكرمك بصفة اخرى هي أشرف من الكلّ و هو العقل فتدرك مضرّة الأطعمة و منفعتها الجلّية و الخفيّة بحسب الحال و المآل جميعا.
و به تدرك كيفيّة طبخ الأطعمة و إصلاحها و ذلك أخسّ فوائد العقل و أقلّ الحكمة في إنشائه بل الحكمة الكبرى فيه معرفة الله و معرفة أفعاله و معرفة الحكمة في عالمه.
و عند ذلك ينقلب فوائد الحواسّ في حقك إلى ما ينفعك في طلب الخير الأقصى فيكون الحواسّ الخمس كالجواسيس و أصحاب الأخبار و الموكّلين بنواحي المملكة لاقتناص الأخبار المختلفة من الأقطار و تسليمها إلى الحسّ المشترك القاعد في سرير