تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦ - فالركن الأول
حاجة العبد إلى الاستعاذة باللّه في إزالة الشبهات و دفع الأغاليط و الوساوس و الشكوك و لا يكفى في ذلك أصل الفطرة و لا استعمال القوانين الميزانية فكم من الأكياس و المحقّقين و العلماء المشهورين بالفضل و البراعة رأيناهم قد بقوا في شبهة واحدة طول عمرهم و لم يعرفوا الجواب عنها و ظنّوا علما يقينيا و برهانا جليا ثمّ المبيّن بنور الكشف و شواهد الربوبية خلاف ما زعموه و مضادّ ما تصوّروه و إذا جاز ذلك على البعض، جاز على الكل.
كيف و لو لا هذا السبب لما وقع بين أهل الأديان اختلاف في الملل و المذاهب و لما افترقت أمة رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- على ثلاثة و سبعين فرقة، و الناجية منها واحدة.
و لما زعم كلّ واحدة منهم إنّهم هم الناجية، و إنّ غيرهم في النار و ذلك لأن كل أحد إنما يقصد لنفسه أن يحصل له الدين الحقّ و الإعتقاد الصحيح و أن أحدا لا يرضى لنفسه بالجهل و الكفر فلو كان الأمر بحسب سعيه و إرادته لوجب كون الكل محقّين صادقين سيّما المواظبين على استعمال الفكر و الرويّة، الهاربين عن الخلل و القصور، و لو على الشذوذ و الندور.
و حيث لم يكن الأمر كذلك- و نجد المحقّين على جنب المبطلين كالشعرة البيضاء في جلد بقرة سوداء- علمنا إنّه لا خلاص من هذه الظلمات إلّا بإعانة إله الأرض و السموات فما أشدّ احتياج الإنسان بالاستعاذة إلى واهب الحكمة و العرفان و خالق الإنس و الجان و لهذا إنّه تعالى أمر نبيّه- صلّى اللّه عليه و آله- بالاستعاذة بربّه في قوله وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ [٢٣/ ٩٧] فهذه الاستعاذة مطلقة غير مقيدة بحالة مخصوصة. و أما قوله فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [١٦/ ٩٨] فهي استعاذة منه.
و تحقيق هذا المقام يحتاج إلى بسط في الكلام لينكشف إن لكلّ أحد و في كلّ حالة و مقام شيطانا مخصوصا يجب الاستعاذة منه