تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٠ - سورة البقرة
في العمل من جميع الحروف فإنّ لها البدؤ، و كلمة «هو» جمعت جميع قوى الحروف في عالم الكلمات، فلهذا كانت الهويّة أعظم الأشياء. ٢٢٥ و كذلك الإنسان آخر غاية النفس في الكلمات الإلهيّة، و هي المفارقات و طبائع الأجناس و الأنواع.
ففي الإنسان ٢٢٦ قوّة كل موجود في العالم، و له جميع المراتب.
و لهذا اختصّ وحده بالخلافة الإلهيّة و بكونه مخلوقا على الصورة فجمع بين الحقائق الإلهية، و هي الأسماء و بين المراتب الكونيّة و هي الأجزاء فيظهر به ما لا يظهر بجزء جزء من العالم و لا بكلّ اسم اسم من الحقائق الإلهيّة.
فكان الإنسان أكمل الموجودات، و به انتهى النفس الرحماني، و الواو أكمل الحروف و به انتهى النفس الإنساني، و كلّ ما سوى الإنسان خلق إلّا الإنسان (للإنسان- ن) فإنّه خلق و حقّ.
فالإنسان الكامل هو على الحقيقة الحقّ المخلوق به، أي المخلوق بسببه العالم، و ذلك لأنّه الغاية المطلوبة بالإيجاد المتقدّم عليها و لو لاه ما ظهر ما تقدّم عليه.
فكلّ غاية هو الأمر المخلوق بسببه ما تقدّم من أسباب ظهوره، و هو الإنسان الكامل.
و إنّما قلنا: الكامل، لأن اسم الإنسان قد يطلق على مثاله في عالم الشكل و الصورة الشبيهة به، كما تقول في زيد: إنّه إنسان، و في عمرو: إنّه إنسان و إن كان في أحدهما قد ظهرت الحقائق الإلهيّة و ما ظهرت في الآخر، فالآخر على الحقيقة حيوان في شكل إنسان، كما أشبهت الكرة بالفلك في الاستدارة و أين كمال الفلك من كمال الكرة و أين مرتبة الإنسان الكامل المتحقّق بالحقائق الإلهيّة من المشكّل بصورته من جملة الحيوان؟
و لهذا قال تعالى لنبيّه وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [٨/ ١٧]