تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٣ - فصل الأقوال في حدوث كلامه تعالى
و نظيره ما قال تعالى وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ الآية [٣٦/ ٩].
و قوله فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ و قالوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ [٤١/ ٥].
و المراد بقوله وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ رؤساء اليهود و أحبارهم الذين عاندوا الحقّ و أنكروا الآيات و جحدوها و كانوا يخادعون اللّه و رسوله، و هؤلاء أسوء حالا و أردء مآلا من المشركين، و سنزيدك إيضاحا إنشاء اللّه.
فصل [الأقوال في حدوث كلامه تعالى]
احتجّت المعتزلة على حدوث كلامه تعالى- سواء كان ألفاظا بهذه الحروف و الأصوات أو شيئا آخر- بالإخبارات الواقعة في القرآن بصيغة الماضي الدالّة على تقدّم الواقعة المخبر عنها بهذه الصيغة عليه، إذ القديم لا يكون مسبوقا بغيره.
و أجابت الأشاعرة عنه بما هو المشهور عنهم بأنّ التجدّد و المضيّ و الانقضاء و غيرها كلّها صفة تعلّق الكلام، و حدوث التعلّق لا يوجب حدوث الشيء المتعلّق. نظيره في صفة العلم إنّ اللّه تعالى كان في الأزل عالما بأنّ العالم سيوجد، فلمّا أوجده انقلب العلم بأنّه سيوجد في المستقبل علما بأنّه قد وجد في الماضي. و لم يلزم حدوث علم اللّه، فكذا هاهنا بأن يقال: أن أخبر اللّه تعالى في الأزل بأنّهم سيكفرون فلمّا وجد كفرهم صار ذلك خبرا عن أنّهم قد كفروا و لم يلزم حدوث.
و كلمات الفريقين في هذه المسألة كثيرة ممّا لا طائل تحتها و لا يزيد الخوض فيها إلّا بعدا عن الحقّ و قساوة في القلب، و الصواب الرجوع عنها إلى طريقة أهل اللّه و الاقتباس عن مشكوة النبوّة بحقّ المتابعة للرسول و آله عليهم السلام.