تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٦ - تفريع
قوله جل اسمه:
وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ الرزق في كلام العرب، الحظّ مطلقا قال تعالى وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [٥٦/ ٨٢] أي حظكم و نصيبكم.
و العرف خصّصه بما ينتفع به الحيوان، يأكل أو يستعمل، و قيل: هو ما يملك، و هو باطل، لأن الإنسان قد يقول: اللّهم ارزقني ولدا صالحا، و زوجة صالحة و هما مما ليسا بمملوكين له و كذا يقول: اللّهم ارزقني عقلا أعيش به. و العقل ليس بمملوك، و أيضا البهمية لها رزق و لا يكون لها ملك.
و قيل عبارة عن تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء، و هذا مذهب أبي الحسين البصري [١] و سائر المعتزلة، و لهذا ذهبوا إلى أنّ الحرام لا يكون رزقا، و ذلك لأنّهم استحالوا من اللّه أن يمكّن من الحرام بدليل أنّه منع من الانتفاع بالحرام و أمر بالزجر عنه، و بما ذكره صاحب الكشّاف في هذه الآية من قوله [٢]: «إسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنّهم ينفقون الحلال الطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى اللّه و يسمّى رزقا منه».
و بقوله تعالى قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا [١٠/ ٥٩] إذ قد بيّن انّ من حرّم رزق اللّه فهو مفتر عليه فثبت انّ الحرام لا يكون رزقا.
و
بما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إن رجلا قال له: «إنّ اللّه كتب عليّ الشقوة أفلا أراني أرزق إلّا من دفّي بكفّي، فأذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال رسول اللّه
[١] ابو الحسين محمد بن على، بصرى الأصل بغدادى المسكن، طبيب متكلم معتزلي المذهب، توفى ٤٣٦ ه.
[٢] الكشاف: ١/ ١٠١.