تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٩ - فصل تأويلات المعتزلة
الاول: بحمل المرض على الغمّ لأنه يقال: مرض قلبي من أمر كذا، أو المعنى:
إن المنافقين لما رأوا ثبات أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و استعلاء شأنه يوما فيوما و ذلك كان يؤثّر في زوال رياساتهم، فهؤلاء لما اشتدّ عليهم الغمّ وصف اللّه تعالى ذلك، أي زادهم غمّا على غمّهم بما يزيد في أمر الرسول و تعظيم شأنه.
الثاني: إنّ مرضهم و كفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف و تكرير الوحي و تضاعف النصر. فهو كقوله تعالى في السورة فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [٩/ ١٢٥] و السورة لم تفعل ذلك، و لكنهم ازدادوا رجسا عند نزولها لما كفروا بها قبل ذلك و كقوله وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً [٥/ ٦٤] و قوله: فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً [٣٥/ ٤٢] و كقولك لمن نصحته فلم يقبل و تمادى في فساده: ما زادتك نصيحتي إلّا شرّا و فسادا فكذا هؤلاء المنافقين لمّا كفروا و ازدادوا كفرهم عند التكليف و الدعوة من اللّه إلى شرائع دينه، أضيفت زيادة كفرهم إليه تعالى.
الثالث: أن يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف و الجبن و الخوف لأنّ قلوبهم كانت قويّة إمّا لقوّة طمعهم فيما كانوا يتحدثّون به انّ ريح الإسلام تهبّ حينا ثم تسكن و لواؤه يخفق أياما ثم يقرّ، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال اللّه على رسوله النصر و إظهار دينه الحقّ على الدين كله. و إمّا لجرأتهم و جسارتهم في الحرب فضعفت جبنا، حين قذف في قلوبهم الرعب و شاهدوا شوكة المسلمين و أمد اللّه لهم بالملائكة.
و معنى الزيادة إنّه كلّما زاد اللّه رسوله نصرة و تبسّطا في البلاد، ازدادوا حسدا و بغضا و ازدادت قلوبهم ضعفا و يأسا عما طمعوا فيه و جنبا و خوارا، و أن يحمل المرض على تغيّر مزاج القلب و تألّمه، و ذلك لأنّ الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد و النفاق و مشاهدة المكروه فإذا دام به ذلك، فربما صار ذلك سببا لتغيّر مزاج قلبه و مرضه، قالوا: و حمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته فكان أولى من سائر الوجوه.